“عمال” قبل الآوان

تبدو الطفلة “أمل” التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها مثقلة بالهموم والأحلام وهي تتحدث عن رغبتها في أن تدرس وتلعب، لكن الظروف المحيطة بها حرمتها من هذا الحق لتجد نفسها مضطرة للعمل في بيع القهوة في شوارع إحدى بلدات ريف إدلب، بعد أن هُجرت برفقة والدها المريض وشقيقتها الصغرى من ريف حلب.

“سعد الديري” طفل في الثالثة عشرة من عمره، نزح مع عائلته من دير الزور منذ سنوات لينتهي به المطاف في ريف إدلب، دفعت الحالة المادية للأسرة لعمل سعد ومساعدة والده في تأمين مستلزمات حياتهم.

على بسطة خضار في زاوية أحد الشوارع يقف سعد منذ السادسة صباحاً حتى وقت متأخر من النهار، وقد يمتد أحيانا إن لم يحالفه الحظ في البيع إلى ساعات الليل، يحصل خلالها على فترة استراحة للغداء ثم العودة ثانية للعمل.

يقول سعد لزيتون بصوت يحمل قلق بالغ:

“نضطر للبقاء لمدة طويلة على أمل أن نبيع خضارنا، لكن غالبا ما يبقى لدينا الكثير منها، فننقلها لمنزلنا ثم نعود في اليوم الثاني لعرضها للبيع ما يقلل من ربحنا ويزيد من تعبنا”

لا يذكر سعد مدينته دير الزور، فقد كان صغيرا حين غادرها، لكنه يحلم بالعودة إليها وأن يعيش كباقي أطفال العالم: “أتمنى أن أرتاح من صعوبة العمل، فصناديق الخضار ثقيلة، ونضطر لتحميلها أكثر من مرة، خاصة وأن والدي يعاني من مرض في ظهره ولا يقوى على الحمل”.

يرى الطبيب المختص بالتربية وعلم النفس “عبد الحي المحمود” أن ظاهرة عمالة الأطفال تنتشر في المجتمعات التي تعاني من الحروب والفقر، وشهدت سوريا وخصوصا في مناطق سيطرة المعارضة تنامي مخيف لهذه الظاهرة حتى تصدرت المشاكل الاجتماعية هناك، يقف خلف تناميها تراجع مستوى دخل الفرد، وتفاقم البطالة، وانهيار الكثير من المهن والأعمال، فما يقارب 90% من دخل الأسر في الشمال السوري غير كاف، وبالتالي فكثير من الأسر تدفع بأطفالها إلى العمل لمساعدتهم على العيش.

ويضيف المحمود لزيتون:

“يزيد من تدهور الحالة المعيشية للأهالي عدم الاستقرار السياسي والأمني وما يرافقهما من نزوح وتشرد للسكان يستنزف أخر ما يملكون”.

ولا تقتصر نتائج عمالة الأطفال على الأضرار النفسية والجسدية وحرمانهم من التعليم والاستغلال الجنسي في بعض الأحيان، بل تتعداها إلى مشاكل أكبر، إذ يعتبر زواج القاصرات أحد نتائج عمالة الأطفال، وتسعى الفتيات في سن الطفولة إلى التخلص من عملهن في المزارع والحقول عن طريق الزواج المبكر.

كما يشير الطبيب إلى خطر تجنيد الأطفال الناتج عن بحث الأطفال عن عمل يكسبون منه قوتهم، وهو ما يؤمنه لهم الانخراط في صفوف الفصائل المقاتلة.

وتترك عمالة الأطفال آثارا بالغة الخطورة بحسب رأي الطبيب النفسي، تزيد هذه الآثار في حالة الأطفال ذوي المقدرات العقلية الكبيرة، والذين يدركون حقيقة ظرفهم وحرمانهم من حقوقهم كأطفال، قد تصل هذه التأثيرات إلى أمراض نفسية خطرة.

ويؤكد الطبيب أن من أهم المؤثرات على شخصية الطفل الناتجة عن العمالة المبكرة هو حرمانه من التعليم الذي بدوره يؤثر على مقدراته العقلية والاجتماعية وما يرافقهما من مهارات اجتماعية وسلوكية، ومن الملاحظ عدم استقرار شخصيات الأطفال العاملين، منوها إلى دور المنظمات المدنية في دعم الطفل وحمايته من العمل المبكر وذلك عبر تقديم المساعدات لأسرته مقابل عودته إلى المدرسة.

ورشات إصلاح السيارات والحدادة التي تتركز في المناطق الصناعية وتكون غالبا على أطراف المدن والبلدات، تستهلك الكثير من الأطفال تحت سن السادسة عشر، في وسط قاس، تتم فيه معاملة الأطفال بشكل سلطوي وقمعي وغالبا ما يتعرضون للضرب، كما يتعرضون للكثير من التنمر اللفظي والجسدي.

ويتحمل الأطفال في تلك الورش مخاطر التعامل مع الآلات الحادة وقطع الحديد وعمليات اللحام وأضرارها على العين، والإصابات التي يتعرضون لها نتيجة انعدام الشروط الآمنة للعمل واستهتار أصحاب الورش بسلامتهم.

يغطي السواد وجه الطفل مجد ويديه، فيما ثيابه مشبعة ببقع الشحم والزيت وبين نبرات صوته يظهر الشقاء والتعب وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره:

“أعمل منذ ثلاثة أعوام في المنطقة الصناعية، يبدأ عملي من الساعة السابعة صباحاً وحتى السابعة مساءً، تركت المدرسة بعد وفاة والدي للعمل ومساعدة أمي في تأمين مصروف البيت”

ويضيف مجد: “أذهب وأعود إلى عملي مشيا على الأقدام وهي مسافة بعيدة وتستغرق مني أكثر من ساعة، في كثير من الأحيان أضطر للمشي تحت المطر أو في الحرارة المرتفعة لكنني مجبر على العمل”.

“محمود الجنيد” وهو صاحب ورشة لصيانة السيارات في المنطقة الصناعية في إدلب يعزو سبب رغبة الأهالي في تشغيل أطفالهم في أعمال صعبة إلى الحالة المادية المتدهورة للأهالي، وحاجتهم لمدخول إضافي لسد مستلزماتهم، كما يرى أن توقف الدراسة وتسرب الأطفال من المدارس لا يترك الكثير من الفرص لهم ويجبرهم في نهاية المطاف على البحث عن عمل ما”.

ويضيف الجنيد: “المنطقة الصناعية تؤمن فرصة لتعلم مهنة قد تساعد الطفل على مزاولتها طوال حياته، رغم ما يتخللها من مخاطر وحوادث مؤسفة”، مؤكدا على أن الكثير من أصحاب المحال يتعاملون بقسوة بالغة مع الطفل المتعلم وذلك بهدف تعليمه المهنة بسرعة.

ترجع “أم حسن” وهي سيدة من معرة النعمان لم ترغب بذكر أسمها، سبب إرسال ولدها البالغ من العمر ١٤ عاما للعمل في محل لبيع اللحوم إلى تراجع وضعها المادي في السنوات الأخيرة وضعف مدخول زوجها الذي لم يعد يكفي لتغطية النفقات.

وتشعر أم حسن بالألم على ما لحق بطفلها من بتر أصابع يديه في العمل بسكين جراء تقطيع اللحم”.

تزداد طريقة تعامل أرباب العمل مع الأطفال العاملين قسوة كلما ساءت الظروف أكثر، ويقوم البعض منهم باستغلال صغر سن الأطفال وحاجتهم المادية لزيادة الإهانات اللفظية والجسدية، بحجج مختلفة منها أنه يريده أن يصبح صاحب مهنة وأن يتعلم بسرعة، مقابل أجر زهيد يتقاضاه الطفل مهما كانت ساعات عمله طويلة وخطرة.

ولا تبدو المهن مهما كانت بسيطة سهلة على الأطفال، فالكثير من الأطفال النازحين يعملون في بيع البسكوت أو المناديل الورقية في الطرقات، ومنهم من تجده يعمل في جمع البلاستيك والكرتون والحديد وغيرها من حاويات القمامة، ما يؤثر على سلامتهم النفسية وشعورهم بالدونية أمام أقرانهم.

لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الأطفال الذين يعملون في الشمال السوري إلا أن تقريراً للأمم المتحدة قدر نسبة الأطفال العاملين بـ 20 % عام 2020مقارنة بـ 10 % قبل عام 2011، لكن واقع الحال يؤكد أن الأعداد أكبر من ذلك بكثير.

ظاهرة عمالة الأطفال ليست بالجديدة في المجتمع السوري، لكنها ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة بسبب زيادة الفقر والنزوح أوبسبب فقدان الأب إما بوفاته أو باعتقاله.

تفيد تقارير إعلامية بأن عدد الأطفال الأيتام يزيد عن 800 ألف طفل 90%منهم ليس لديهم من يكفلهم ما يضعهم أمام الحاجة إلى العمل.

وتحاول بعض منظمات العمل المدني العمل على زيادة الوعي بين الأهالي حول مخاطر تشغيل الأطفال وضرورة حصولهم على التعليم، لكن تجد هذه المنظمات نفسها أمام مشاكل حقيقية تكمن في استمرار الأسباب المؤدية إلى عمالة الأطفال، ولا يجد الأهالي بديلا عن عمل أطفالهم رغم معرفتهم بما يتعرضون له من خسائر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*