أجور المحلات إضافة لإرهاق المواطنين

زيتون – محمد أبو الجود

وسط مجتمع تسوده ظروف الحرب المستمرة  والفقر والنزوح والتشرد، ويزداد الصراع به يوما بعد يوم، ليعيش جل الناس في فقر وضائقة اقتصادية طاغية على كل ما يتبعها، ليصبح البحث عن لقمة العيش هو الهاجس الأكبر للبقاء بالنسبة لأهالي إدلب، ما دفع البعض لافتتاح محال تجارية أملاً في تحسين مستوى معيشتهم، ولكن التخطيط كثيراً ما يصطدم بالتنفيذ والواقع على الأرض، ليقع أصحاب المحال ما بين أزمة المؤجر والمستأجر، وما بين أسعار المالك ومصاريف الإيجار وغياب الرقابة على أسعار السلع والأجور، وارتباطها بارتفاع وهبوط سعر الدولار، فضلاً عن القصف المستمر على التجمعات المدنية والتجارية.

سوق سرمدا

سوق سرمدا

«خالد» تاجر من ريف إدلب لخص باختصار وضع التجارة والأجور في حديثه لـ «زيتون» قائلاً:
«تعتبر مدينة سرمدا أهم نقطة تجارية في محافظة إدلب، نظراً لموقعها التجاري المتميز، وقربها من الحدود مع تركيا، ولذلك ترتفع فيها أجور المحال التجارية بشكل كبير، حيث تتراوح ما بين 30 ألف ليرة سورية إلى 70 ألف ليرة، و 150 دولار أمريكي و250 دولار أمريكي، ويعتمد ذلك على مواصفات المحل من حيث المكان والمساحة والموقع. وتبدأ الأجور بالانخفاض تدريجياً في المناطق الأخرى ففي مدينة معرة النعمان وريفها تتراوح الأجور ما بين 30 دولار أمريكي وحتى 120 دولار».
وأضاف: «تختلف أجور المحلات بين منطقة وأخرى حسب موقعها التجاري وقربها من الحدود ومن المناطق الساخنة، وحتى ضمن المنطقة الواحدة، يلعب القرب من السوق الرئيسي ومركز المدينة أو البلدة، ومساحة المحل ونوع السلعة المباعة فيه، حيث تعتبر أجور محلات الذهب الأعلى ارتفاعاً، تليها محلات الصرافة، ثم الصيدليات، ومن ثم تبدأ بالانخفاض تدريجياً وفقاً لنوع السلعة أو المهنة».
وتابع: «كما يختلف سعر السلعة أيضاً بين محل وآخر، تبعاً للمالك إن كان مالك للعقار أو مستأجر له، وتسود بينهما حالة من التذمر، ولكل من الطرفين أسبابه وحججه».
وتحدث «موس العبودي» شاب من مدينة كفرنبل، لـ «زيتون» حول ما دفعه لافتتاح محل تجاري، بقوله: «تركت وظيفتي وانشققت عن قوات الأسد في وقت مبكر من بدء الثورة، وعدت إلى مدينتي، وقررت أن أفتتح محلاً لبيع أدوات الاتصال».
وأضاف: «بحثت كثيراً عن محل في سوق المدينة الرئيسي، ولم أجد نظراً للارتفاع الكبير في الإيجار، والذي يصل حتى 100 دولار شهرياً، ولذلك كان الحل الوحيد لدي أن أستأجر محلاً بعيد نوعاً ما عن السوق الرئيسي، بإيجار 50 دولار أي نصف إيجار المحلات الموجودة في السوق».
ولكن على الرغم من انخفاض إيجار المحل إلى النصف، إلا أن «موس» واجه الكثير من الصعوبات الأخرى، وهي وفقاً لما قاله:
«أولاً بعدها عن مركز السوق، ووجود أكثر من محل يبيع السلعة نفسها، وحالة المضاربة بيننا، والتي تعود للفرق بين صاحب محل لا يترتب عليه دفع إيجار شهري، وبين مستأجر، ما يعطيهم امتيازات أكبر وفرص للبيع أكثر، ودائماً تكون أسعارهم منخفضة عن محلي، وهذا ما يسبب لي الكثير من الإحراج».

وتابع: «لقد بدأت أفكّر جديّاً بإغلاق المحل والسفر، فلن يكون الفرق في المعيشة مرتفع، كما سأحصل على نقطة إيجابية وهي عدم الخوف من استهداف الطائرات لنا في كل لحظة».
بينما كان الوضع أفضل نوعاً ما بالنسبة لأبو خالد، ذو السابعة والعشرين عاماً، والذي قال لـ «زيتون»: «بعد أن تخرجت من الجامعة بدأت بالبحث عن عمل، ولم أترك منظمة أو مؤسسة أو جمعية إلا وطرقت بابها، ولكن عبثاً، فقررت أنا وصديقي أن نفتتح محلاً لبيع الخضار، واستأجرنا محلاً بمبلغ 40 دولار شهرياً، صحيح أنه مبلغ عالي إلا أنه أفضل من البقاء بلا عمل، وأنا راضٍ عنه».
كذلك الحال بالنسبة إلى «محمد بدرة» وهو نازح من مدينة أريحا ويعمل في مجال الحلويات، الذي افتتح محلاً لبيع الحلويات في بلدة حزانو، قام باستئجاره بمبلغ 15 ألف ليرة سورية، معتبراً أن المبلغ مرتفع نوعاً ما وخاصة في البداية حيث تكون الحركة الشرائية عادية ريثما تتحسّن مبيعات المحل، وعندها يصبح المبلغ مقبولاً حسب رأي محمد.
«جمعة الشعار» يعمل في صيدلية استأجرها في مدينة «سراقب»، قال لـ «زيتون»: «أدفع إيجار الصيدلية 100 دولار شهرياً، وهو مبلغ مرتفع قياساً مع وضع المدينة وضعف الحركة الشرائية فيها جراء القصف، لاسيما بالنسبة للدواء نتيجة وجود مشافي ومراكز صحية تقدم بعض أنواعه مجاناً، ولكن أجور الصيدليات هنا يأتي في المرتبة الثالثة تقريباً بين المحال».

ومن زاوية أخرى، يرى أصحاب المحال التجارية أن الإيجارات متدنية ولا تكفي لسد احتياجات عائلاتهم، ولا تتناسب مع طبيعة الحياة وأسعار المواد والسلع، ومن بينهم «أم وسيم» وهي مالكة لعدة محلات في ريف «معرة النعمان».
«أم وسيم» قالت لـ «زيتون»: «توفي زوجي منذ سنتين تقريباً، وتعرض منزلي للقصف مما أدى إلى انهياره بشكل كامل، ومع صعوبة الحياة اضطررت لاستدانة مبلغ من المال رممت به منزلي وأعدت تأهيله وافتتحت فيه ثلاثة محال تجارية، قمت بتأجير كل محل منها بمبلغ 15 ألف ليرة، لكن إيجار المحال الثلاثة لا يكفي لسد احتياجات عائلتي، فسعر برميل المازوت 65 ألف ليرة، وأسطوانة الغاز 7 آلاف ليرة».
وأضافت: «نظرا لعدم وجود مورد آخر لعائلتي، ومع ارتفاع الأسعار بشكل لا يُحتمل، أفكر حاليا برفع الإيجار بما يتناسب مع ضرورات الحياة المعيشية الصعبة، فمبلغ 15 ألف مبلغ زهيد جداً وغير كافي في ظل الأسعار الحالية للسلع والمواد الأساسية».
وكذلك «محمد درويش» مالك محل تجاري في «سراقب»، قال لـ «زيتون»: «لدي محل في منطقة السوق ولكن الحركة الشرائية ضعيفة، ولذلك أجّرت المحل بمبلغ 8 آلاف ليرة، وهو مبلغ قليل جداً بالنسبة للأسعار والمعيشة، ولكن لم أجد خياراً آخر فأنا رجل مسن ولا أستطيع أن أعمل في محلي بدلاً من تأجيره، على الرغم من أن أجور المحال التجارية في سراقب تتراوح ما بين 6 إلى 10 آلاف ليرة في القسم الشمالي من السوق، وما بين 50 إلى 70 دولار في الشارع الرئيسي للسوق، بينما تصل إلى 100 دولار في القسم الجنوبي من سوق سراقب، والذي يعد موقعاً استراتيجياً لحركة البيع والشراء».
بينما رأى «محمد عمر» وهو مالك لمحال تجارية في بلدة «حزانو» بريف إدلب الشمالي، أن أسعار المحال في بلدته مناسب جداً، حيث قال: «تتراوح أجور المحال التجارية في بلدة حزانو ما بين 15 إلى 40 ألف ليرة، حسب موقع المحل وقربه أو بعده من الشارع العام, ومدى استهدافها من قبل الطيران الحربي، والذي يساهم في انخفاض أو ارتفاع الأسعار في المنطقة, وهذا ينطبق على المنطقة عموماً وليس فقط على حزانو».
وأضاف: «شهدت البلدة في وقت سابق ارتفاعاً في الأجور، لكنها عادت وسجلت انخفاضاً ملحوظاً بعد استهداف الطيران الحربي للبلدة عدة مرات, والآن تعتبر أجور المحلات عادية جداً، وحتى لم تعد لها قيمة كبيرة أمام الدولار، فمثلاً أقصى أجر لمحل تجاري لا يتجاوز 90 دولار، وهو مبلغ أقل من عادي بالنسبة للعائلات التي تعتمد فقط على تأجير ممتلكاتها لتأمين مستلزماتها».
أما «محمد» مالك محل تجاري في مدينة «كفرنبل»، ويبلغ من العمر خمسين عاماً، فقد نأى بنفسه عن الخلافات بين المؤجر والمستأجر وما يتبعها، ووجد لنفسه حلاً آخر للعمل وتأمين مصروف عائلته ومتطلباتها.
«محمد» قال لـ «زيتون»: 

«نظراً للحاجة للمردود المادي، ومع كبر سني، وفي ظل الاستهداف المستمر للأسواق والتجمعات المدنية، والارتفاع المرعب في أجور المحلات التجارية، والذي يصل إلى 50 أو 100 دولار، فضلاً عما يترتب على المحل من مصاريف أخرى غير الإيجار كاشتراك الأمبير والتدفئة وغيرها، قررت بعد تركي لوظيفتي، أن أفتتح محلاً لبيع المواد الغذائية في منزلي، أعمل فيه بنفسي بعيداً عن مناقشة الأجر شهرياً مع المستأجر، خصوصاً في ظل غياب الرقابة على أجور المحلات وعدم وجود ضوابط تحددها».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*