إدلب.. البقعة التي يخجل منها الطغاة

زيتون – عدنان صايغ
على موائد الزيت والزعتر والشاي المسائي في إدلب يودع الآباء أبنائهم على أمل الصباح الجديد، فالليل هناك طويل وموحش، ومكتظ بأشباح الناطقين باسم الله والسلاح، قد يمر الليل وقد لا يمر.
ينام الصغار هناك وهم يحلمون بساحة حي، لا يخافون فيها الغريب، ولا يأبهون لصوت الرصاص البعيد.
في إدلب يعقد الرجال صباحا أسواقاً للحى المستعارة، يجدفون بماض قد يعيد إليهم بعض الشموخ القديم الذي لن يعود.
تغطي الأمهات هناك أطفالهن بدفء الأغاني الحزينة، ويشعلن ناراً لفرح منتظر، قد يكون وقد لا يكون.
في إدلب للحياة أيقاع سريع، كعمر قصير يتبرص فيه الضياع، تحيك الصبايا على عجل لفحة صوف للفارس المشتهى، الذي يستعير قميص أخيه ليكمل ما وعد، هناك حيث النساء لا تتهاون في صنع المؤونة، ولا تنتظر المواعيد مواعيدها، يصفي البالغون خلافاتهم كالراحلين، في حركة مضطربة، وبترقب متوتر يربك الحياة.
في إدلب لعبة الخوف هي السائدة، تفر الشوارع من خطى مبهمة، تغلق الأبواب والبيوت والأسواق لتفتح الأحزان وتسفح الدموع.
في إدلب يعيش الناس كما يحب الآخرون، ويبكون حين يضحكون خوفا من عواقب الفرح، لأن الفرح عقار محرم لمن خسر الهدف.
على جبال أريحا، يورق شجر اللوز بزهر أسود، يبكي شباب المدينة بياض الدماء التي على شفا النسيان، ولا يعوِّض عشب الربيع في “القراجات” ما تقرح في قلوب.
في الشرق تشرِّع البراري العارية الريح على قرى منهكة، ترمم جوعها بالخبيزة والدردار، وبعض الخراف العجاف، وتحمي البيوت بالفراسة والتوسم والحذر.
لم تنس المعرة ثأرها ممن مزق رسالة الغفران، فلم تتغير وظل المعري ابن المعرة دون أن يتلون.
قبة للحسن البصري وضريح لشيخ كان منصوراً في زمن مضى، ضريح خولة بنت الأزور ونبي الله يوشع بن نون، ونبي الله شيث، وأويس القرني، الأربعين، الصياد، عمر ابن الوردي، الشيخ عبس، الخواص كلها تصدعت على شجرة في كفر زيتا قطعها غريب، قال عنها أنها فاسقة بعدما غار من قبرين لشيخين مجهولين تم نبشهما في كفرسجنة.
مدن وبلدات كسرمين وخان شيخون وسلقين ومعرة مصرين وجسر الشغور وبنش كفرت بوجه مستبديها، بقيت تراقب الدوائر حين تدور، وأمثالها كإحسم ومعردبسة وجوباس ومرديخ وزردنا تمسكن بجذوع تينها وزيتونها بعند صخر الزاوية.
إدلب البقعة التي يخجل منها الطغاة كابن معاق وضال، انزوت في الهوامش حتى تصابت وعربدت فوضى وغضب، ومشت إلى حتفها حافية، دول عظمى ولا أقل تتصارع على تخوم كرومها، ومشاريع دول ومصالح قومية وأحلام تحتشد حول من كانت بالأمس منسية.
على حَجَرات حول شجرة الرمان في بيت جدي، كانت تنبت كل ربيع زنابق برية وشلبلاب، وكان يغمر الجدران الكلسية المظللة بأشجار الخوخ وأكادنيا والسفرجل والدراق والدوالي، سرخس مكين وطحالب غضة، كانت جدتي تأخذ بجانبها قيلولة قصيرة، تلك إدلب التي نحب، لم يحافظ عليها الأحفاد فقطعوا شجرها وبنوا فوق جذوعها بيوتا عصرية، دمرتها الطائرات فيما بعد، لينبت الطحلب مرة أخرى عليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*