تساؤلات سوري صغير

زيتون – ياسمين محمد
في مكالمة فيديو كنت أتحدث فيها إلى أخي، جاء يركض عندما سمع صوت خاله، وبدأ يتحدث معه ويسرد له ويسأله، كانت المصادفة أن ذكر أخي اسم صديقه “كنان”، رداً على أحد أسئلة ابني، وهنا كانت الفاجعة.
لم نكن نعلم أن وجهه الصغير سيتحول إلى وجه بالغٍ أنهكته المصائب، أصفراً شاحب، وجهاً مختلط الملامح، عينين جاحظتين، وفماً مفتوحاً، ويدان تتخبطان.
وقف بسرعة من على كرسيه: “عمو كنان!، ليش وين هو ايمت طلع، هو عندك، كيف…”.
سيل من الأسئلة لم نعد نعرف أولها من آخرها انهالت علينا، أسئلة كانت مختبئة في جوفه لا تجرؤ على الخروج، وخرجت خلسةً وبعفوية رغما عن لسانه الذي كان يرفض البوح بها سابقاً.
ربما هي الشجاعة أو ربما الخوف الممزوج بالفضول وبالبحث عن الأمان والاطمئنان، قد يكون قلبه الصغير لم يعد يحتمل أن يعيش في حالة من الشك بين هنا وهناك، وقد يكون طفوليا أكثر من ذلك.. لا أدري!
قبل أيام سمعني أتحدث مع خالتي عن قريب استشهد في سجون النظام، لا أعلم ماذا سمع بالضبط، ولكنه دخل فجأة إلى غرفتي، وبدأ بالصراخ “اصمتوا لا أريد أن أسمع شيئا”.

لا أعلم إن كان قد كبُر أكثر من اللازم ككل الأطفال في سوريا، لا أعرف إن كان قد ربط قصة قريبنا باسم عمه المعتقل في سجون الإرهاب والإجرام الأسدي.

وحتى هو لا يعلم ما الذي جرى له، وما الذي غيره وقضّ مضجعه لأيام، ليأتي بعدها بأسئلةٍ جديدة، ربما فقد الأمل بالعثور على إجابة أسئلته السابقة، والتي لا نملك لها أجوبة، حالنا حال كل عائلات المعتقلين، وقد تكون كما هي العادة، اقتراب ذكرى المجزرة التي غيرت مجرى حياته.
قد يكون استنتج الإجابة عن أسئلته من اللا إجابة، فبدأ يبحث عن غريمه، وبينما هو جالس على المائدة، حيث لا مجال للهرب، ولا مفر من الرد على إلحاحه، اغتنم الفرصة وسأل: “لماذا روسيا وإيران ضدنا؟”
للوهلةِ الأولى كان سؤالاً بسيطاً، أجبته: لأنهما مجرمتان.
كيف ولماذا؟
من يدعم مجرماً يكون مثله!
ضمن جزءً من إجابةٍ لم تعجبه، ولكن جزءً أفضل من لا شيء، فاستغله وتابع: يعني روسيا وإيران هما المسؤولتان عن قتلنا؟
كان سؤالاً محرجاً بعض الشيء، ولكنني حاولت التهرب عبر الإجابة السابقة ذاتها دون تغييرٍ، واكتفيتُ بها، بينما لم يكتفِ هو، ولكن على الأقل فهم شيئاً منها، فواصل استقصاءه: ومن غير روسيا وإيران ضدنا؟
كان هذا سؤالا صعبا، فبماذا أُجيبه؟، أأُخبره وأزرع الأحقاد في قلبه تجاه الجميع؟، بدأت أُقلّب الأمر في رأسي، علّي أجد إجابة ترضي طفلاً ثائراً مكلوماً يبحث عن عدوه الذي قتل أهله وشرّدهم وفعل بهم ما فعل.


روسيا وإيران لا تكفيانه، ربما يكون قد سمع ذات مرةٍ الجملة المعروفة “الجميع تآمر علينا وشارك بقتلنا”، وربما لم يسمعها ولكن ما عاشه وعرفه عن بلده يشرح نفسه بنفسه، ويؤكد له أن دولتين لا يعرف عنهما شيئاً، مع المجرم بشار غير كافيتين لتدمير سوريا وتبرير ما حصل فيها.
“حزب الله”: الاسم سيخلق لديه مشاكل، ولا مجال للشرح بالسياسة لطفلٍ منذ شهرين دخل بالعاشرة، فضلاً عن أنه عربي ومن جنسيةٍ شقيقة، لم توفر حكومةً ولا شعباً ولا سواه جهداً كما حزبها، وكذلك “العراق” أيضاً، و “الإمارات”، “السعودية وقطر ومصر والبحرين والأردن ووو”، كلها دول عربية شقيقةً بالدم واللغة، من لم تكن من بينها ساهمت بأكملها في مأساتنا، فقد كانت حكومتها حاضرةً بما فيه الكفاية.
“أمريكا، فرنسا، ألمانيا”، “الأمم المتحدة والمنظمات الدولية”، لا أعلم ماذا أجيبُ، كل حرفٍ مني يخضع لحساباتٍ وتأويلاتٍ جمّة، وعدم الإجابة له ثمنه عنده أيضاً، وإن اكتفيت بإلقاء اللوم على روسيا وإيران وحدهما كونه يعرفهما، وكذبت عليه لن يصدقني في أي أمر بعد أن يعلم الحقيقة، فماذا عسايَ أفعل؟.
دوّامةٌ كبيرةٌ أصبحت تعصف في رأسي الذي أحسست بأنه يكاد ينفجر، بينما ينظر إليّ هو نظرةً غريبةً لم أرها في حياتي، ملؤها الحقد والغلّ والفضول والخذلان، ويُلحُّ في طلب الإجابة على الفور.
يا بني لن تفهم ما سأخبرك به لو أخبرتك، غداً ستكبر وتقرأ التاريخ –إن لم يُحرّف (قلتها في نفسي)- وستعلم كل ما تريد الآن أن تعرفه، وستفهم.
لن أنتظر غداً، ولا أريد أن أقرأ التاريخ، أريد أن أعلم الآن وأفهم، الآن.. الآن ولن أنتظر حتى أكبر، لقد صرت كبيراً!.
-يا ولدي هناك حكومات تختلف عن شعوبها.
-ماذا يعني؟
يعني يا بني أن هناك بعض الحكومات كان لها أخطاء، بينما تختلف مواقف شعوبها، قاطعني: لا أفهم ذلك، فقط أريد أسماء، من وقف ضدنا؟
لا أملك لك أسماء، لا أعلم –هم كُثُرٌ ولا حصر لهم يا ولدي فماذا أخبرك-، قلتها في قلبي وعدت إلى روسيا وإيران شاركتا حكومةً وشعباً منذ بداية الثورة وكفى، حاولت التهرب بإطعام أخيه الصغير ذو اليد المكسورة، والمراقب لأخيه ولي، والمُصغي بتركيزٍ وإنصاتٍ دون أن يتفوّه بأي حرفٍ عما يجهله، ربما هو الآخر يريد أن يفهم، لكنه يمتلك القدرة على الترجمة وإيصال ما بداخله عبر الكثير من القصص اليومية التي يؤلفها ويسردها كل يوم، ويكون بشار غالباً بطلها، والمقتول في كل قصةٍ بطريقة.
سامحني يا ولدي، بل سامحاني، خرجت بكما كي أنقذكما من هذا الحقد والمأساوية، لكنني لم أنجح بذلك، قد يكون ذنبي وقد يكون ذنب الظروف المحيطة.
سامحني يا بني، لا أملك لك إجابة، ولا لفضولك إرضاءً، ولا لحقدك وغضبك معالجة، ولا لخذلانك تبديداً، فذات الخذلان والبؤس والانكسار الذي رأيته في ملامح وجهك وأكثر في قلبي وعيوني وروحي، ولا سبيل.. بل هو كل يومٍ يتفاقم!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*