حقوق الطفل.. حبر على ورق المحافل

 

خاص زيتون

أطفالنا هم المستقبل والغد المقبل، لذا يجب أن يكونوا أصحاء مفعمين بالنشاط الجسدي والذهني والنفسي والعاطفي، ومن حقهم الحصول على الرعاية الصحية والنفسية والغذاء الكافي لنموهم، ولكن هل يحصل الأطفال في سوريا عموماً وفي المناطق المحررة خصوصاً على حقوقهم في الرعاية والنمو؟

حق الطفل في النمو في المواثيق الدولية

جعلت المواثيق الدولية مصلحة الطفل فوق كل اعتبار وذات أولوية وأفضلية في جميع الظروف ومهما كانت مصالح الآخرين، لتمكين الطفل من التمتع بطفولة سعيدة ينعم فيها، ويكون محمياً ولديه الحقوق التي تؤمن له حياة سعيدة.

وأكد البروتوكول الملحق باتفاقية حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة عام 2000، على أن الطفل يجب أن يتمتع بحماية خاصة وأن تمنح له الفرص والتسهيلات اللازمة لنموه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي، نمواً طبيعياً سليماً في جو من الحرية والكرامة.
كما يجب أن يتمتع الطفل بفوائد الضمان الاجتماعي وأن يكون مؤهلاً للنمو الصحي السليم،

وعلى هذه الغاية، يجب أن يحاط هو وأمه بالعناية والحماية الخاصتين اللازمتين قبل الوضع وبعده، كما أن للطفل حق في قدر كاف من الغذاء والمأوى واللهو والخدمات الطبية، وفقاً لما جاء في البندين الثاني والرابع من البروتوكول.

وعلى ذلك فأين أطفال سوريا من كل تلك المواثيق التي تُلزم الدول الموقعة عليها بتطوير وتنفيذ جميع إجراءاتها وسياساتها على ضوء المصالح الفُضلى للطفل، وتحمّل مسؤولياتها لحماية وضمان حقوق الأطفال؟.
مشاكل في النمو بسبب سوء التغذية

الدكتور «خالد باريش» أخصائي بأمراض الأطفال من ريف إدلب، قال لـ «زيتون»: «من المعروف أن بلدنا غني ولا يقارن بالبلدان التي انتشرت فيها المجاعات، ولكن ظروف الحرب والنزوح والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي، وقلة أو انعدام الدخل عند الكثير من الناس، ربما أثّر كثيراً في الوقت الحالي على حصولهم على الغذاء الجيد والمنتظم والمتوازن، ولذلك أصبحنا كأطباء نلاحظ وجود حالات كثيرة من سوء التغذية في الآونة الأخيرة، حيث بات ما يقارب 50% من الأطفال في ريف إدلب يعانون من مشاكل في النمو يعود سببها إلى سوء التغذية بالدرجة الأولى، كما لاحظنا انتشار أمراض فقر الدم والكبير الكريات وفقر الدم الخبيث الذي ينجم عن عوز فيتامين ب12 وحمض الفوليك».

وأضاف: «إن سوء التغذية التي لوحظ ازديادها في المنطقة عند الأطفال الحديثي الولادة، كانت إما نتيجة إعطائهم حليب صناعي أو حليب الأبقار في هذه المرحلة، أو جهل الأمهات بطريقة الرضاعة عندما يكون حليب الأم غير كافي، إضافةً لعدم تناول الأم أثناء الحمل للفيتامينات اللازمة وحمض الفوليك، وعدم تناولها الغذاء المتوازن، وذلك نتيجة للظروف الراهنة من فقر ونزوح وغير ذلك من عدم القدرة على التنويع بالمصادر الغذائية لانعدامها في الأسواق في بعض الأحيان أو ندرتها وارتفاع أسعارها».

وأكد الدكتور «باريش» على أهمية الغذاء في نمو الطفل جسدياً وعقلياً، وعلى وجوب تناول الأطفال وجبات منتظمة في التوقيت، ومتوازنة في النوع الغذائي، بحيث تحتوي على كافة العناصر المغذية الكافية والغنية بالطاقة والمعادن والفيتامينات والبروتينات والكربوهيدرات وغيرها، مع الإكثار من تناول السوائل والمياه النظيفة الصالحة للشرب، كما نصح بإعطاء الطفل وجبة سمك أسبوعياً على الأقل، بالرغم من أن توفير كل تلك الأنواع بالشكل اللازم في ظل الظروف الحالية، ليس بالأمر السهل على الأهالي، كما أكد على أهمية الرضاعة الطبيعية في الأشهر الستة الأولى من الولادة واستمرارها بعد ذلك مع دعم الرضاعة بأغذية مناسبة لعمر الطفل، فضلاً عن ضرورة الاهتمام بتغذية المرأة الحامل والمرضع طول فترة الحمل والرَّضاعة.

الرعاية الصحية

الدكتور “مأمون” أخصائي في أمراض الأطفال قال لـ “زيتون”: “يجب الاهتمام بعناصر الوقاية من الأمراض بإعطاء الطفل اللقاحات المحددة في جدول التطعيمات ضد الأمراض، وحمايته من التهابات الجهاز التنفسي والهضمي قدر المستطاع، من خلال نظافة وسلامة الغذاء والنظافة العامة والعناية الشخصية بالطفل، ومن الضروري تهوية مكان السكن والمنزل من الداخل بشكل مستمر”.

“أحمد” من ريف إدلب قال لـ “زيتون”:
“فيما يخص الرعاية الصحية للأطفال في ريف إدلب، هناك الكثير من المراكز الطبية المنتشرة في المنطقة، ولكن بالمقابل هناك مناطق تخلو من مراكز قريبة منها ويصعب أحياناً الوصول إليها في ظل القصف الذي تشهده منطقتنا، ولكن على الرغم من ذلك فالوضع جيد نوعاً ما، واللقاحات متوفرة وتُعطى لكافة الأطفال، وتقوم مديرية الصحة باستمرار بحملات التلقيح لتشمل الأطفال الذين تخلفوا عن اللقاحات الماضية أياً كانت الأسباب سواءً أكانت قصف أو نزوح أو غير ذلك.
ولكن ما لا يمكن إيقافه أو إيجاد حل له هو تعرض الأطفال للأضرار الصحية من جراء قصف نظام الأسد المتكرر لمدن وبلدات محافظة إدلب، والتي غالباً ما يكون الأطفال ضحيتها بنسبة كبيرة، حيث تعمد نظام الأسد أكثر من مرة استهداف مدارس المحافظة”.

حق النمو للطفل في المواثيق الدولية

«منى دندل» أخصائية في الدعم النفسي للأطفال في ريف إدلب قالت لـ «زيتون»: «إن الحرب الدائرة حرمت أطفال إدلب من حقوق كثيرة مثل التعليم واللعب والبيئة الآمنة والسليمة والصحية، مما قد يخلق جيل قليل الثقة ضعيف جسدياً وفكرياً، انطوائي ومكتئب أو عنيف ومتمرد على الأسرة وبالتالي يؤثر على المجتمع ككل، فقد أثر النزوح المستمر والتنقل الخوف من الطيران وسوء الوضع الأمني على الجانب التعليمي وبالتالي على نمو الطفل فكرياً وعقلياً».

وقالت «غادة باكير» مديرة مركز البراء لرعاية الأطفال في سراقب لـ «زيتون»:
«إن عدم الاستقرار والنزوح أثرا سلباً على شخصية ونمو الأطفال في محافظة إدلب، فاختلاف المكان يؤثر في فهم الطفل للواقع المحيط، فضلاً عما تسببت به الحرب من أضرار نفسية ومشاكل في النمو العقلي وقلق دائم على الأطفال نتيجة فقد أحد الوالدين أو الإخوة أو الأصدقاء والمقربين، أو اعتقالهم».

الأخصائي في علم النفس «جلاء خطاب» قال لـ «زيتون»: «نعيش كبالغين أوقاتا عصيبة ننسى فيها تأثير تصرفاتنا على أطفالنا، الذين يرون فينا سندا لهم، ولذلك من المهم عدم الصراخ وإظهار الخوف أمامهم حتى لا يزيد ذلك في خوفهم، وبالتالي في قصور نموهم النفسي».

اللهو واللعب

وقد اعترفت الأديان والمواثيق الدولية بحق الطفل باللعب واللهو والترفيه كجزء أساسي من حقوقه المتعارف عليها، وهو حق يمكن الطفل من مهارات اجتماعية وتربوية وثقافية ويمنحه نموا جسديا ونفسيا وروحيا متكاملا ويزيد في ذكائه وقدراته الكامنة ويصقل له شخصيته.

وأوضح «جلاء خطاب» بأن اللعب من أكثر العلاجات نجاعة فيما يخص الصدمات النفسية لدى الأطفال والتي يمكن أن تؤخر في نموه الفكري والعقلي وحتى الجسدي، كما تمكنه ممارسة الألعاب من تفريغ خوفه وغضبه وتوتره ليعود إلى طبيعته وبراءته، بالإضافة إلى أنها تبعده عن الانطوائية التي تعد أولى أعراض الاكتئاب النفسي.
وقال الدكتور «مضر حبار» لـ «زيتون»: «إن النشاطات الاجتماعية مهمة جداً لنمو الأطفال كاللعب معهم والقيام بالنزهات بعيداً عن أجواء التوتر والضغط، ونحن بذلك نساعد على استقرارهم ونعطيهم الفرصة لإبراز إمكانياتهم».

وهو ما أكدته «غادة باكير» من مسؤولية الأهل في الحدّ من تأثير الحرب على الأطفال في إدلب، من خلال منحهم مزيدا من الاهتمام والحوار معهم وتشجيعهم عن التعبير عما يخيفهم من خلال الرسم مثلاً، ومشاركتهم لأطفالهم في أنشطة فكرية وبدنية تساهم في نموهم العقلي والجسدي.

ولكن يبقى السؤال أين هم أطفال سوريا وأطفال إدلب في ظل ما سبق، من الحصول على حقهم في النمو الجسدي والفكري والعقلي؟ والحماية والرعاية النفسية من القصف وتأثيراته؟ والحياة الكريمة بحرية وكرامة؟؟ أم أن المواثيق والأعراف الدولية فقط مع أطفال سوريا تبقى مجرد حبر على ورق!؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*