فاتن نهار.. امرأة لا تتحدى الأسد

وليد بركسية – المدن

لم تحدث فاتن نهار، بوصفها أول امرأة ترشح نفسها لرئاسة الجمهورية في سوريا، ضجة واسعة في بلد تشكل فيه الانتخابات التي تجري كل سبع سنوات، استحقاقاً محسوماً سلفاً للرئيس بشار الأسد، ومن قبله والده حافظ الأسد. لكن المرشحة المغمورة بدت في تصريحاتها الإعلامية وكأنها تحاول تلميع صورة النظام السياسي في البلاد، لا تحديه، بشكل يعزز صورة الأسد كرئيس علماني حمى بلاده من الإرهاب الإسلامي والمؤامرة الكونية، لا أكثر.

وفي بلد توصف فيه الانتخابات عادة بأنها مسرحية مُعدَّة سلفاً، على مستوى الانتخابات الرئاسية والتشريعية وحتى تلك الخاصة بالإدارة المحلية التي تبدو نتائجها أقرب لتعيينات من جهات عليا وليس تعبيراً عن إرادة شعبية، فإن نهار (50 عاماً) التي قالت أن “تقدمها للترشح إلى المنصب يظهر للعالم أن سوريا بلد ديموقراطي تستطيع المرأة فيه أن ترشح نفسها للمنصب”، لم تخرج نفسها من الانطباع الأولي بأنها جزء من مسرحية معدة لمخاطبة العالم ضمن سعي النظام الأوسع للحصول على الشرعية السياسية بعد عشر سنوات من الثورة والحرب في البلاد.

وبينما تنتظر نهار، والمرشحون الأخرون الذين قدموا طلبات تشريحهم لمجلس الشعب، حصولهم على تأييد 35 عضواً في المجلس بحسب الدستور السوري، فإنها مثلهم جميعاً لم تقدم على الفور خطاباً سياسياً من أي نوع، كما أن تاريخها لا يقدم إضاءة على برنامج سياسي مفترض، لأنها مثل المرشَحين اللذين واجها الأسد العام 2014 ولا يتذكر أحد اسمهما الآن من دون الاستعانة بمحرك البحث “غوغل”، اسم مغمور لا علاقة له بالعمل في المجال العام، وحضورها المفاجئ نابع من حاجة من داخل النظام لإظهار ديموقراطية مزعومة ضمن الدولة السورية، تسمح فيها لجميع الأفراد بالنشاط السياسي، وهي كذبة لا يمكن حتى لموالي النظام تصديقها، مهما كانوا يحتفون بالترشيح في مواقع التواصل بوصفه انتصاراً للديموقراطية الحقيقية.

وطبعاً فإن ربط نظام شمولي عنيف مثل النظام السوري بمفهوم سياسي نبيل مثل الديموقراطية هو ضرب من الخيال، لكن النظام في خطابه الإعلامي والدبلوماسي منذ سنوات يروج لفكرة وجود ديموقراطية “من نوع خاص” في البلاد تحاربه الدول الغربية. وهو ما تكرره كتب “التربية القومية” في المدارس السورية منذ عقود، بالقول أن هنالك تعددية سياسية عبر “الجبهة الوطنية التقدمية” ومجلس الشعب وغير ذلك من الجهات التي صممت لتصدير هذه الفكرة ومخاطبة العالم بها عند الضرورة.

وبعكس النساء الإيرانيات اللواتي يقدمن ترشيحاتهن لمجلس صيانة الدستور كل أربع سنوات تقام فيها الانتخابات الرئاسية، ويتحدين فيها نظام الملالي طمعاً في إحراج السيستم المعادي للنساء على كافة المستويات بما في ذلك العرف السياسي القائم الذي يحظر ترؤس امرأة للجمهورية الإسلامية، فإن نهار في سوريا، تقدم صورة مختلفة تماماً، بوصفها ورقة إعلامية احتاجها النظام في هذا التوقيت، لتغذية الماكينة الدعائية الرسمية وتلك التابعة للحلفاء، من أجل ترويج فكرة وجود إصلاح سياسي حقيقي في البلاد، وهو ما كان طلباً للمظاهرات الشعبية قبل 10 سنوات.

ونهار هنا، مثل الإعلام المحتفي بترشيحها، تعرف عن نفسها من صفة واحدة فقط بأنها امرأة، ليس لتقديم فكرة نسوية تتحدى النظام السياسي الأبوي والمجتمع الذكوري، بل للقول أنها جزء منه نما تحت رعايته الحكيمة لا أكثر، وهي ضمن هذا السياق، تقدم نفسها كمتواطئة معه على المستوى الجندري قبل السياسي في النظر إلى نفسها كناقصة للأهلية من دون “المكرمة” التي يسمح بها النظام البعثي الأبوي الحاكم، علماً أنها محامية مسجلة في فرع القنيطرة منذ العام 2009، وهي من مواليد الجولان وابنة اللواء المتقاعد علي نهار.

وبالطبع فإن المشكلة في سوريا ليست في أهلية النساء، ولا بقبول المجتمع لهن في تلك المواقع السياسية. بل في طبيعة السلطة الحاكمة القائمة على نموذج الرجل الحاكم للأبد. وهي بعكس السلطة الإيرانية، التي مهما كانت متشددة وظلامية على كافة المستويات، تسمح بتداول ما للسلطة، مهما كان وهمياً ولا يعبر عن تغيير حقيقي. وفيما يتم خنق المجال العام في سوريا منذ سنوات فإن النشاط السياسي ينحصر بالانضمام لجوقة المطبلين والملمعين أو التوجه للمعارضة التي تم سحقها وتهميشها طوال عقود، وباتت اليوم مشتتة في المنافي.

في ضوء ذلك، تصبح نهار، مثل الأسماء النسائية التي يحيط النظام نفسه بها من أجل تقديم نفسه بصورة حضارية، من المستشارتين الرئاسيتين بثينة شعبان ولونا الشبل إلى هدية عباس التي كانت قبل سنوات أول امرأة تترأس مجلس الشعب في البلاد إلى الوزيرات دائمات الحضور في الحكومات المتعاقبة وليس انتهاء بنجاح العطار، نائبة رئيس الجمهورية، وهو أعلى منصب تصل إليه امرأة في البلاد. فيما تبقى دوائر السلطة الضيقة والحقيقية محصورة بـ”رجال أشداء” حصراً، لأن النظام القائم على العنف والعسكرة، يتطلب وجود نوع معين من “الفتوة والذكورة” ضمن مراكز صنع القرار، ليس فقط لمخاطبة الجمهور المحلي بنوع من التهديد المبطن والعنيف، بل أيضاً لأن الحمض النووي للنظام قائم على تلك الخاصية منذ الانقلاب العسكري الذي قام به حافظ الأسد العام 1970، ورسخ به نفسه بصورة “الأب القائد للدولة والمجتمع” طوال ثلاثة عقود.

وفيما تطلق المرأة الأقوى في البلاد، أسماء الأسد، على نفسها لقب اسم “أمّ الكل”، بموازاة وراثة بشار للقب السابق عن أبيه، فإن رمزية أسماء تبقى محصورة بكونها زوجة وأمّاً تساند الرجال في عائلتها، وهو منطق ذكوري يحكم دعاية النظام منذ عقود، ولم تنجح أسماء في تغييرها رغم إحداثها خرقاً واضحاً في هذا المجال، يمكن ملاحظته بمقارنة دورها بالدور لزوجة حافظ الأسد، أنيسة، التي عاشت طوال حياتها في الظلال، مهما كان دورها وراء الكواليس مؤثراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*