في النزوح.. حقوق الطفل رفاهية مؤجلة

زيتون – غادة باكير

على الطريق تحت الشجر تنتشر الخيام كأكوام الملح والصبر تقبع في حالة انتظار، المخيمات في الشمال السوري ليست وليدة اليوم هي موجودة منذ أعلن الشعب السوري رفضه لنظام الأسد، حين قصفه الأخير بالطائرات والراجمات، لكن مع بداية الحملة الروسية الأخيرة مع النظام الأسدي على ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي في الشهر الرابع من هذا العام، تصاعدت موجة النزوح لتشكل طوفانا بشريا زاد عن المليون شخص ثلثهم من الأطفال بحسب ما قدرهم منسقو الاستجابة في سوريا.

تفتقر المخيمات برغم المساعدات التي تصل إليها إلى مقومات الحياة الرئيسية للأطفال، فاضطراب الحياة وعدم استقرارها، وانعدام وسائل المعيشة الثابتة، وتعرضهم لتقلبات المناخ وسوء التغذية تجعل من تجربة النزوح علامة في انكسارات نفسية لدى الأطفال قد لا يكون زوالها أمراً سهلاً.

تحاول بعض المنظمات وفرق من جهات مدنية وإنسانية العمل لسد هذه الثغرة بما توفر لديها من إمكانات، وتقول مسؤولة التواصل في فريق ياسمينات سوريا “ضحى الشحنة” لزيتون إن فريقا خاصا بالإسعاف النفسي الأولي متواجد ضمن منظمتهم هدفه تأمين الرعاية النفسية والدعم النفسي للأطفال النازحين في مخيمات النزوح.

في الطريق ما بين سرمدا و شمال حزانو على الحدود الشمالية القريبة من تركيا التقى مراسل زيتون بالمعلمة “ضياء الحسين” التي تحدثت عن القصف الذي استمر عشرين يوما على بلدتهم “معراتة” بريف معرة النعمان الشرقي، ما أجبرهم على ترك بيوتهم.

وتضيف المعلمة:

“خرجنا ببعض الأمتعة واتجهنا للشمال لننقذ أطفالنا من الموت، نعيش هنا حوالي ثلاثون عائلة ولدينا حوالي مئة طفل كلهم عرضة للحر والبرد وانعدام أساسيات الحياة، همنا بالدرجة الأولى الحفاظ على حياتهم ولا مجال هنا لرفاهية الحديث عن باقي حقوق الأطفال”.

هاجر طفلة في العاشرة من عمرها تقول بحزن باد في عينيها إنها غادرت منزلها بسبب قصف الطائرات المرعب والذي تسبب بوفاة خالها وعمها، مضيفة أنها تشتاق إلى لمنزلها وصديقاتها التي نزحن بدورهن إلى أماكن لا تعرفها.

أما الطفلة ماريا أحمد ذات التسعة أعوام فتتمنى بأسى رؤية صديقتها والعودة للبيت والمدرسة مشيرة إلى أنها لا تحب الخيمة التي لا تحتوي على شيء.

من جانبه يقاطع الطفل يزن (8 أعوام) من ريف المعرة حديث ماريا معتبرا أنه محظوظ كون صديقه حمزة قد نزح معه مشيرا إلى خيمة قريبة بجانبه، لكنه يحن كذلك إلى مدرسته ومعلمته “وردة الحسين، مؤكدا بيقين لا يتناسب مع طفولته عن عودته إلى بيته الذي يحتوي على دالية عنب وارفة.

لا رعاية صحية للأطفال في المخيم، وهناك بعض الأطفال ممن يعانون من أمراض تحتاج رعاية مستمرة وخاصة مثل الطفلة “هيام خير الله” والبالغة أربعة عشر عاماً والمصابة بمرض لم يتعرف عليه الأطباء، يضطر والدها لإجراء عملية تبديل دم لها كل شهر في المراكز الصحية القريبة دون أن يتمكن من توفير الرعاية المطلوبة لها في ذلك المخيم.

المرشدة الاجتماعية “رهف رزوق” تحدثت عن مخاطر النزوح والحياة في الخيام لزيتون: “الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية أثناء فترة النزوح، لأنهم بحاجة للشعور بالانتماء سواء للأهل أو البلد، وبمجرد خروج الطفل من محيطه الآمن (بيته وحيه) يتعرض لكثير من القلق والاضطراب والخوف، وافتقاره للأمان والانتماء يتسبب بعدم استقرار نفسي للطفل ويجعله عرضة للعزلة والاكتئاب”.

وتشدد المرشدة على أن أبسط ما يمكن تقديمه للطفل في النزوح هو عدم إبداء الخوف والحزن أمامه، لأن الطفل قادر على أن يستشعر عواطفنا التي تنعكس تلقائيا عليه، وينتقل خوف الأهل إليه في حين يستمد الشجاعة والقوة منهم إن كانوا كذلك.

وتؤكد رزوق أنه في حال توافر مراكز للدعم النفسي في مناطق النزوح فلا بد أن يلتحق الطفل بهذه المراكز ليشارك بأنشطة اللعب الجماعية التي تحميه من العزلة وتقدم له إمكانية بناء علاقات وصداقات جديدة.

فيما تقبع الخيام بانتظار حل لسكانها، تمر الأيام ثقيلة وهدامة على الأطفال، لتتحول فترة نزوحهم وخسارتهم للبيت الذي هم بأمس الحاجة إليه لما يشكله من مصدر أمان لهم، لتكتسي وجوههم علاوة على الغبار علامات الشقاء في ترديد دائم لعبارة واحدة: “أريد أن أعود إلى البيت”.

تم إنتاج هذه المادة بالتعاون مع منظمة fpu

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*