مخاوف حول سد الفراغ بعد غياب صحافة الأطفال

أطفال في محافظة إدلب يتصفحون مجلة أطفال عام 2016 – صفحة مجلة زيتون وزيتونة

زيتون

“حالياً أستطيع أن أؤكد عدم وجود أي مجلة للأطفال في الداخل السوري، وقد تكون زورق هي آخر المجلات التي استمرت بالصدور حتى بداية 2018.

بهذا يختصر رئيس تحرير مجلة زورق “محمد السلوم” حالة إعلام الأطفال في الداخل السوري عموما وإدلب خصوصاً خلال السنوات الثلاث الماضية، ليكشف عن حجم الفراغ والكارثة الذي خلفه غياب أي بدائل منافسة لفكر التطرف المسيطر عبر هيئة تحرير الشام على الساحة بشكل منفرد.

برغم حاجة الأطفال في إدلب إلى الأمن والغذاء أكثر من أي شيء أخر، إلا أن أحد مؤسسي مجلة زيتون وزيتونة “عبد الحكيم رمضان” يشير إلى ضرورة الانتباه للصحة النفسية والفكرية للطفل التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.

في بداية عام 2017 أصدرت كل من “طيارة ورق وزيتون وزيتونة” وهما مجلتان للأطفال كانتا توزعان في الغوطة الشرقية وإدلب آخر أعدادهما، في حين ظلت مجلة زورق تصدر بشكل متعثر قبل أن تغلق أيضا في بداية عام 2018.

مجلات الأطفال التي ظهرت وانتشرت ورقياً وإلكترونياً، تشابهت في ظروف نشوئها وأهدافها وحتى في توقفها، وجاء هذا الإغلاق المتتالي بعد  أن شهدت سنوات الثورة الأولى ازدهارا في عددها وتنوعها، وسبق إغلاق المجلتين طيارة ورق وزيتون وزيتونة سلسلة من الإصدارات الأخيرة لمجموعة مجلات منها “قوس قزح، وحنطاوي، وغراس، وتين بعل، وخطوات صغيرة، وحنين، وقصب”.

في نهاية عام 2017 أبلغت منظمة سمارت -وهي منظمة سورية أنشأت في عام 2011 لدعم وسائل الإعلام المستقلة والمحايدة في سوريا- عدة صحف ومجلات بتوقف دعمها لهم.

زورق أخر مطبوعات الأطفال

غلاف العدد 31 من مجلة زورق – موقع المجلة

أصدرت مجلة زورق أولى أعدادها في أب 2013 ووصل عدد صفحاتها إلى 32 صفحة بإصدار شهري، ووزعت في محافظتي إدلب وحلب.

يقول رئيس تحرير مجلة زورق “محمد السلوم” لزيتون:

هناك أسبابا أخرى غير توقف الدعم (السبب المباشر للتوقف) ساعدت في إغلاق المجلات، مشيراً إلى تدخل هيئة تحرير الشام المسيطرة على الأرض ومضايقاتها ومحاولاتها المتكررة التدخل بسياسة المجلات، ورغم أن هذه المضايقات لم تكن مؤثرة بشكل كبير ومباشر إلا أنها ساهمت بالتضييق على فريق  المجلة في بعض الأحيان.

لا ينوي كادر المجلة استئناف العمل رغم ما يملكونه من مواد ورسوم جاهزة، من بينها سلاسل من القصص المصورة التي لم تنشر سابقا، لكنهم “يعيدون النظر في جدوى النشر الورقي السابق والمحدود، رغم أن ما كانت تطبعه المجلة هو 3000 نسخة في العدد الواحد، لكن مع وجود ما يقارب المليون طفل فإن العدد يبقى متواضعا وبسيطا” بحسب السلوم، كما يقوم الكادر بالتفكير بأساليب أكثر قدرة للوصول للأطفال كالوسائل الإلكترونية التي تتطلب تكاليف عالية ما يعود بالمشكلة إلى المربع الأول.

الكاتب في أدب الطفل “مصطفى عبد الفتاح” يرى أن ما يشكله غياب مجلات الأطفال يؤسس لخسارة ركن هام من أركان الدعم النفسي لأطفالنا، فالطفل الذي يحظى بصحافته وإعلامه الخاص تتكون لديه دوافع عديدة أهمها الدافع النفسي، فالمجلات فيها متع وتسال وترفيه للنفس، وخروج من واقعه ولو على أجنحة الخيال إلى عوالم تروق للطفل ولبراءته.

ويضيف الكاتب: “ثمة جانب هام يتعلق بخصوصية وضع الطفل السوري من الناحية التعليمية، ففي ظروف الحرب والتشرد يجد أطفالنا في مجلات الأطفال بعضاً من التعويض عما فاتهم من أساسيات في اللغة والحساب، وهذا الجانب وإن كان قليلاً قياسا على محتويات المناهج، إلا أنه ينقذ أطفالنا من خطر الأمية التي تلاحقهم في غياب المؤسسات التعليمية المنتظمة”.

طيارة ورق: جمهورنا الأطفال المتضررين

غلاف العدد 102 من مجلة طيارة ورق – صفحة المجلة

صدر العدد الأول من مجلة طيارة ورق في آذار 2013، وهي مجلة نصف شهرية التزمت بالصدور بموعدها حتى تاريخ توقفها، من أهدافها الاهتمام بحقوق الطفل وألعاب التفريغ النفسي، وإبعادهم عن أجواء الحرب والنزاعات، كما تشجعهم على القراءة والتعلم خاصة لدى الأطفال الذين اضطروا إلى ترك المدرسة، ليكون العدد الصادر  في كانون الأول 2016 هو العدد الأخير.

بلغ عدد النسخ المطبوعة من المجلة ما يقارب 5 آلاف نسخة شهرياً، وزعت في شمال سورية كحلب وإدلب بالإضافة لمنطقة الغوطة الشرقية التي تم التوزيع بها بحسب الإمكانيات المتوافرة.

رئيسة تحرير المجلة “أسماء بلاغ” شرحت لزيتون عن أسباب توقف المجلة وظروفها الحالية قائلةً: “اضطررنا إلى التوقف نتيجة لتوقف الدعم من منظمة سمارت التي كانت تؤمن الطباعة والتوزيع، وقمنا بعدها بإخبار الأطفال في آخر عدد العدد (100) بأن المجلة ستتوقف بشكل مؤقت على أمل تأمين تمويل يسمح بعودة العمل”.

وبحسب المرشدة النفسية “رهف رزوق” فإن مساهمة مجلات الأطفال في تكوين شخصيه الطفل وبنائه النفسي والاجتماعي وتنميه وعيه الثقافي أساسية في مراحل عمره الأولى، ما يستوجب توافرها منذ الطفولة المبكرة، والحرص والاهتمام بها شكلا ومضمونا، لأنها تعتبر اللقاء الأول ما بين الطفل وجوانب الحياة الثقافية والأدبية والعلوم والفن.

كما تمكنه تلك المطبوعات من زيادة قدرته على الاستيعاب والفهم للواقع وتنمية خياله لتحليل ما يدور حوله من أحداث ضمن إطار من المتعة والتسلية، إضافة لما لها من دور في تنميه القاموس اللغوي عند الطفل عن طريق استخدام مفردات وعبارات بأسلوب مبسط يتناسب مع عمره.

وبالعكس فغياب مثل هذه الصحف والمجلات ستجعل الطفل الذي دائما يبحث عن كل جديد يلجا لوسائل أخرى حتى الضارة منها، للحصول على المعارف والتسلية بحسب المرشدة النفسية.

زيتون وزيتونة: لا جدوى من الصدور بدون طباعة

غلاف العدد 27 من مجلة زيتون وزيتونة – صفحة المجلة

من رأى فرحة الأطفال بحصولهم على الأعداد الأولى من المجلة وحجم المشاركات التي كانت تصل إلى مكتب المجلة ومتابعة صدورها من قبلهم، يدرك ما تعنيه تلك المطبوعات للأطفال بعد حرمانهم بشكل قاسٍ من كل وسائل الترفيه والتعليم

 بهذا يصف أحد مؤسسي مجلة زيتون وزيتونة “عبد الحكيم رمضان” أهمية مجلات الأطفال وتأثيرها منوها إلى ضرورة استمرار علاقة الطفل بالكتب والمجلات والقراءة وخصوصا بعد غياب الكهرباء وإمكانية متابعة برامج الأطفال على التلفاز أو اللعب في الساحات.

تأسست مجلة زيتون وزيتونة في محافظة إدلب، وصدر العدد الأول منها في آذار 2013 تحت شعار “نحن أطفال سوريا نحب اللعب والحياة والحرية” بهدف توفير وسائل تعليمية وترفيهية مساعدة للأطفال الذين حُرموا من مجلات الأطفال التي كانت تصل إلى مناطقهم كما حرموا في كثير من الأحيان من مدارسهم، وتنوعت صفحاتها لتشمل كل الفئات العمرية للأطفال، منها المواد البسيطة كالأبجدية والحساب والقصص، ومنها التعليمية والرياضية والتاريخية والعلوم وتعلم اللغة العربية والخط واللغة الانكليزية”.

طفل في مكان عمله بسوق الهال في إدلب يتصفح إحدى مجلات الأطفال – صفحة زيتون وزيتونة

استمرت بالصدور بشكل ثابت ومنتظم بشكل نصف شهري، وازداد عدد صفحاتها من 8 إلى 20 صفحة، وبعدد 3 آلاف نسخة كل أسبوعين، إضافة إلى ألف نسخة غير ملونة (أبيض وأسود) كانت تُوزع في مدينة دوما في الغوطة الشرقية وما حولها، وفي حلب ثم في ريف حماة الشمالي ثم لتوزع في وقت سابق من سيطرة داعش في مدينة الطبقة بريف الرقة حتى وصلت لاحقاً إلى ريف اللاذقية.

وعن أسباب توقفها قال رئيس تحريرها سومر كنجو:

“السبب الرئيسي هو توقف تمويل الطباعة والتوزيع، وهو ما كانت تتكفل به منظمة سمارت، وقد كان من الممكن أن تستمر المجلة لو أن تمويل الطباعة مستمر، لكن لا يمكن الاستمرار بدون الطباعة، ولن يكون هناك جدوى إن لم يتصفح الطفل المجلة بشكل ورقي، فالأطفال لا يقرؤون المجلات على الانترنت ومن هنا رفضنا الاستمرار بشكل الكتروني”.

ولم تتمكن جريدة زيتون من استيضاح أسباب توقف الدعم المقدم من سمارت بعد محاولة التواصل مع إدارتها.

مخاوف من أفكار متطرفة تسد الفراغ

صندوق بريد تم وضعه من قبل مجلة زيتون وزيتونة في مدينة سراقب لتلقي مشاركات الأطفال – صفحة المجلة

يحذر رئيس تحرير زورق من التأثيرات” المخيفة” لخلو الساحة لنوع معين من الفكر الموجود في الداخل ويحظى بكل الدعم والإمكانيات وخصوصا في هذا العام الذي لم تفتح فيه المدارس أبوابها حتى كتابة هذا التقرير، بعد أن أوقفت المنظمات الداعمة تمويلها لمدارس التربية الحرة في محافظة إدلب وهو ما يشكل خطرا جديا على مستقبل الأطفال.

ويضيف كنجو:

لدينا قلق من صدور مجلات أخرى للأطفال لها إيديولوجيات معينة وتوجه سياسي أو ديني، ليس لدينا أي مشاكل مع صدور مجلات جديدة تصدر بإدارات جديدة، شرط ألا تستغل الأطفال في نشر أفكار الكبار، ومن المهم جدا أن تكون مجلات الأطفال لكل الأطفال السوريين، وسنسعد بكل مجلة جديدة شرط حياديتها وهو الشرط الذي وضعناه لأنفسنا قبل أن نطالب أي جهة أخرى بذلك”.

يرى البعض أنه في حالة البحث عن النجاة وفي خضم هروبه من بطش الطائرات لا يحلم السوري في إدلب بأكثر من الحماية، ليغدو الحديث عن باقي جوانب الحياة ترف في غير وقته، لتتسع المسافة ما بين واقع الأطفال هناك والتفكير بمستقبلهم، وتتقلص قائمة الأولويات في بند واحد هو المحافظة على وجودهم فقط، متخلين عن قضايا تعتبر من أساسيات حياة الأطفال خارج حدودهم كالتعليم والصحة والتغذية التي تتراجع في وطنهم لصالح البقاء على قيد الحياة.

يطرح “كنجو” بعض الأفكار والمحاولات السابقة في تنفيذ بعض التطبيقات الإلكترونية التي يمكن أن تكون بديلاً عن المجلات المطبوعة وتؤدي إلى تحقيق ذات الأهداف، قائلاً:

“فكرنا بإصدار تطبيقات الكترونية وهي فكرة جيدة جداً ومازالت قائمة ويمكن تنفيذها، لأنها توفر تكاليف الطباعة وتتجنب التلف وهي سهلة الانتشار، ويمكن للطفل أن يتعلم من خلالها الحساب والكتابة والحروف الهجائية، ونمتلك مخزوناً كبيراً من المواد التي يمكن أن نعيد إنتاجها كصوت وصورة وفيديو ومسابقات بشكل تطبيقات، ورغم المنافسة الكبيرة التي ستواجهنا نتيجة للتطبيقات المتوفرة بشكل كبير من كل العالم العربي وهي بإمكانيات ضخمة، إلا أنه يمكن لنا أن نضفي على تطبيقاتنا الخصوصية السورية والمحلية، لكننا نحتاج أيضاً إلى دعم مالي لتنفيذها”.

قد يكون من مفارقات وسائل الإعلام البديل أن المنظمات التي وقفت وراء استمرار الكثير منها هي ذاتها من ستكون سبباً في توقف تلك الصحافة المتعثرة أصلاً، ومن الأرجح أن زيتون وزيتونة وطيارة وزورق لن تكون آخر الوسائل المغلقة.

تم إنتاج هذه المادة بالتعاون مع منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*