مسلسل “المنصة” وورطة مكسيم خليل

من مؤلم أن لا يرتقي الفنان إلى تطلعات شعبه، وأن ينحاز إلى جلاديه، وهو الذي يفترض فيه أن يكون الرائد في التغيير، لكن المؤلم أكثر أن ينقلب الفنان عن موقفه مع الضحية ليصطف مع الجلاد، عن قصد ودراية أو عن جهل وقلة بصيرة.

فاجأ الممثل السوري مكسيم خليل متابعيه بدوره في مسلسل المنصة بإخراجه الإماراتي، الذي يعرض على شبكة نتفلكس بجزأيه الأول والثاني، بتأديته لدور كريم، صاحب مشروع “المنصة” وهي صحيفة إلكترونية تهتم بنشر المعلومات السرية بحسب المسلسل.

وللسوري الحق في محاسبة مكسيم خليل حول هذا الدور، بعد موقفه المعلن وحديثه الصريح عما تعرض له من تهديد بلغ حتى تهديده بأطفاله من قبل أجهزة المخابرات السورية بحسب حديثه مع سي إن إن عربي.

وتأتي المفاجأة مما يريد المسلسل قوله بشكل فج، ومدى وضوح رسائل الإمارات السياسية فيه، من هجومها على تركيا إلى شيطنة الثورات وعلى رأسها الثورة السورية، والمقارنة المقيتة ما بين الإمارات “بلد الخير والمحبة”، وباقي العالم الممتلئ بالشر.

المسلسل يعرض صور الأمارات المتقدمة بمبانيها الأنيقة وسياراتها الفارهة، وشعبها الطيب، كما يقدم صورة الشر مجسدة في الدور التركي والجماعات الإسلامية، دون ذكر لأي تدخلات أخرى عن نظام الأسد أو روسيا أو المليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية.

المشاهد طويلة وبطيئة بلا ضرورة، والحوار مفكك وضائع ومليء بالترميز، الزمان والمكان متداخلين لدرجة الفوضى، كل هذا الغموض يزول عندما يأتي وقت الرسائل السياسية، فيأتي الحديث صادما للمشاهد الذي لم يألف هذا المباشرة الحادة.

في إحدى الحلقات التي تحمل عنوان المسلسل التركي، يسأل بطل المسلسل “كريم” الجيران محاولا الكشف عن حقيقة مقتل أمه، فيأتيه الجواب من الجميع بأنهم كانوا يشاهدون “المسلسل التركي”، في إشارة عن مسؤولية تركيا لإخفاء الحقيقة، وإلهاء الناس عن الجريمة التي ترتكب بالقرب منهم.

ولعل مشهدا واحدا يمكن أن يلخص هدف المسلسل بشكل عام حين تقدم إحدى المذيعات “شيخة” برنامجها بخطاب من كشف الحقيقة إذ تقول:

“أحداث تبدو غير مترابطة تملؤها الحروب والأحقاد، مظاهرات في العراق، غزو تركي لشمال سوريا، تهجير للأكراد أصحاب الأرض، اللبنانيون في الشوارع بعد ما فاض بهم الكيل من فساد حكومتهم، ابحثوا في جذور تلك الجماعة، ستجدون أنها ممولة من دول ترعى الإرهاب، إخوان يغيرون ثيابهم وأقنعتهم، يستخدمون العواطف والشعارات والحكايات وحتى الآيات الكريمة من أجل السلطة والمال والسياسة، هؤلاء التنظيم الجديد الأكثر خطورة”.

الأمارات التي كانت أول الدول في تطبيع علاقتها مع النظام السوري وفتح سفارتها معه، وأول من أسعفه بمساعدات مالية وغذائية كان آخرها البارحة، هي ذاتها أول من طبع العلاقات مع دولة إسرائيل ووقعت عقودا مع شركاتها في محاربة التجسس – رغم ادعائها في مسلسل المنصة أنها دولة التكنولوجيا الرقمية المتقدمة- والذي حرض وزير خارجيتها عبد الله بن زايد في ندوة عامة في الرياض، الدول الغربية لطرد المسلمين من أوربا بقوله: “سوف يأتي يوم نرى فيه أعداداً أكبر من المتطرفين والإرهابيين الراديكاليين يخرجون من أوروبا بسبب انعدام الرغبة لدى سياسيي أوروبا في اتخاذ القرار، أو لأنهم يحاولون أن يتحروا الصواب السياسي، أو لأنهم يفترضون أنهم يعرفون الشرق الأوسط وأنهم يعرفون الإسلام، ويعرفون الآخر، أكثر منا بكثير”.

ما تريده الأمارات من هذا المسلسل أخطر مما يبدو، فصبغ الثورة السورية بلبوس الإسلام المتطرف القديم، والممتد إلى أحداث الثمانينيات وحركة الأخوان المسلمين في سوريا كما يحاول المسلسل أن يوضحه، هو تشويه لحقيقة الثورات العربية، وتخويف الشعوب منها، وكأن لا خير سوى في الأنظمة المستبدة الحالية.

في المشاهد الأولى للمسلسل يظهر الممثل سلوم حداد بدور أحد رجال جماعة الأخوان المسلمين، وهو يسلم طفله الصغير، إلى رجل أخر من الجماعة ليغتصبه، كما يظهر وهو يحاول أن يفجر حافلة أطفال مدرسية، وبينهم طفليه، في منطق غير منطقي، وتسطيح لتفكير المشاهدين.

فما الذي سيحمله لنا رمضان ومسلسلاته السورية الممولة في معظمها من دول باتت ترى في الثورة السورية خطرا عليها، ومن دول لم تعد تستح من زرع صوتها حتى في تسلية الصائم السوري المتعب من الحرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*