مهووس التناظر

طفل بطرف صناعي في مركز الخطوات السعيدة – صفحة المركز

بدأب شديد يواصل ابن السبع سنوات هوسه في ترتيب الأشياء ومناظرتها، ويحرص على وضع المقابل لكل شيء، لا سيما لأطراف ألعابه المفضلة التي يجسدها أبطاله الخارقون، كـ “سوبرمان وباتمان”.

بتفاصيل مختلفة وقاسية يشارك الطفل “مأمون خطاب” العديد من الأطفال السوريين خسائرهم نتيجة الحرب في سوريا، بعد أن حرمته حقه في الحركة واللعب.

فمنذ عام وفي صبيحة يوم عادي، كان مأمون يلعب مع بعض الصبية بجانب منزله الواقع في منتصف السوق بمدينة أريحا بريف إدلب بينما كان والديه بالقرب منه يحادثان أحد الجيران الباعة، ليصل إلى آذان الجميع صوت طائرة حربية قريبة.

يذكر مأمون كيف صرخ أبيه خوفا عليه كي يدخل المنزل، لكن صوتا قويا كان أعلى من صوت والده طغى على المكان، وأحال الشارع المكتظ بالناس إلى فوضى وركام، تناثرت على إثره الحجارة وطاولات البيع الخضار وكل ما كان قبل قليل ينبض بالحياة إلى هباء.

أسفر الصاروخ الفراغي الذي أطلقته طائرة تابعة لقوات النظام السوري عن مقتل عدد من المدنيين، من بينهم والدا مأمون، وإصابته بشظية في فخذه فقد على إثرها ساقه اليمنى، ليغدو في لمحة عين يتيما مبتور الساق.

يقول الطفل مأمون لزيتون إن خاله جمال حاول أن يبحث عن جهة يمكنها أن تقدم له طرفا صناعيا، لكن لم يجد من يقدمها لهم، ولا يزال حتى اليوم يراوده الحلم بأن يتمكن مجدداً من المشي.

وبوعي مبكر يدرك مأمون صعوبة الحصول في وقت قصير على طرف صناعي يعيد إليه اللعب والجري مع رفاقه، تأتي الصعوبة من التكلفة الباهظة للأطراف الصناعية والتي تصل إلى 1500 دولار أمريكي، كما تخضع عملية تركيب الطرف في المراكز المختصة إلى ترتيبات طويلة.

ويقول المدير الإقليمي لليونيسف خِيرْت كابالاري: “في حالات النزاع ، يكون الأطفال ذوو الإعاقة من أكثر الفئات هشاشة”.وأضاف:

“غالباً ما يحتاج هؤلاء الأطفال إلى علاج وخدمات متخصصة. تختلف احتياجاتهم كأطفال عن احتياجات الكبار. إذا لم يحصلوا على الخدمات والمدارس ووسائل المساعدة مثل الكراسي المتحركة، فإن العديد من الأطفال ذوي الإعاقة يواجهون خطرًا حقيقيًا بالإقصاء والإهمال والوصم مع استمرار هذا النزاع الذي لا ينتهي”.

في بيت خاله يهتم الصغير بترتيب ثيابه، ويحاول وهو منهمك في طيهم بمراعاة الأكمام للقمصان، ويتوقف أحيانا عند أرجل البنطال، لا سيما الأيمن منه.

86 ألف سوري بترت أطرافهم بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية قبل عامين، رقم متواضع مقارنة بحجم الطلب الذي تشهده مراكز تركيب الأطراف الاصطناعية ومنها مركز الخطوات السعيدة في الشمال السوري، ما يشير إلى حجم الكارثة.

“بابا شيلني” مقطع مؤثر تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة، لطفل يدعى “عبد الباسط السطوف” بتر القصف الجوي له ساقيه، في إحدى مناطق ريف إدلب، يهرع الأب لحمل أبنه وهو يصرخ عمن يساعده، ليتركه على الأرض باحثا عن مسعف.

الأب وهو يحمل الطفل عبد الستار في الانفجار – انترنت

وكان الطفل عبد الباسط قد نزح مع أسرته من بلدته “زور الحيصة” بريف حماه إلى بلدة الهبيط في ريف معرة النعمان عام 2017، على أمل أن يجدوا الأمان، لكن غارة من الطيران المروحي استهدفت منزلهم الجديد ببرميل متفجر، توفيت والدة عبد الباسط وشقيقته وابنتها كما بترت ساق شقيقته الثانية. 

لا تقتصر خسارة الطفل على طرفه إذ تمتد الخسارة لتنال من نفسه من خلال اضطرابات أولها “مرض الشبح” وشعور الطفل باستمرار وجود العضو المبتور لا سيما في الشهور الأولى من البتر، وينتابه شعور بالحكة والألم بالطرف المبتور، فضلا عن التوتر والقلق ما يستوجب العلاج النفسي وتأهيل الطفل لتجاوز الأزمة بحسب المختص النفسي “جلال خطاب”.

كما يترافق البتر بمشاكل اجتماعية ناتجة عن الشعور بالضيق والخسارة، وخصوصا أن معظم الحالات التي يقع فيها البتر نتيجة للقصف تقع فيها خسائر أخرى من أفراد العائلة، ما يترك الأسرة في حالة من الشحن النفسي العصبي، تصبح رعاية الطفل المبتور عبئا أضافيا على أفراد  الأسرة.

يشكو أحد الآباء لزيتون فضل عدم ذكر اسمه من الضغط النفسي والمادي الذي تتسبب به إصابة طفله بعد خسارة زوجته، مشيرا إلى عدم امتلاكه الوقت الكافي للتفرغ لرعاية طفله الذي يحتاج إلى رعاية دائمة وما بين اضطراره للعمل خارج المنزل، فضلا عن التكاليف المادية الكبيرة التي يحتاجها الطفل.

تتعقد حياة الطفل ببتر أحد أطرفه فتزيد حياة أسرته تعقيدا، وتتراكم الخسائر النفسية والجسدية والمادية تحت ثقل القصف والدمار، في محنة سورية لم تكتب نهايتها بعد.

تم إنتاج هذه المادة بدعم من منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*