وسط غلاء المحروقات.. تدفأ ولو على حذاء

15644613_353973574981033_1823949444_n

زيتون – عز الدين زكور 

لم أعد أشتم رائحة التراب أو البرد أو حتى رائحة المطر بعيد هطوله، وقد اعتدت التجول في طرقات البلدة ليلا عقب كل هطول، فقط ما يمكنك شمه هي رائحة خانقة تجوب الطرقات، مصدرها مداخن البيوت الموزعة على جوانب الطريق.. 

بهذه الكلمات وصف «علي أبو أسعد» وهو من سكان بلدة حزانو بريف إدلب، سوء الحال الذي وصلت له الأهالي في هذا الشتاء، فالمواد المستعملة «الجديدة» في التدفئة تنشر أدخنة كثيفة مزعجة، تزعج حتى المارة.
غلاء أسعار المحروقات والحطب هذا العام بشكل كبير وغير مسبوق، حيث وصل سعر البرميل الواحد أو طن الحطب لأكثر من 60000 ليرة سورية، أجبر الكثير من الأهالي في ريف إدلب إلى اللجوء إلى طرق جديدة لتأمين سبل للتدفئة تلائم مدخولهم الشهري ولكنها دون أدنى شك لا توافق الطبيعة البشرية لا إنسانيا ولا صحيا ولا حتى جسديا، ولكن هي مرارة الحرب، تفرض نفسها حيث تحل.

«قشور الرمان والبرتقال والأحذية المهترئة والألبسة المستعملة والمطاط والدواليب والقوارير» باتت وقود للتدفئة يتدفأ بها الكثير من العائلات في سوريا.
«يوسف أبو الخير» يقول: لا نوفر أي حذاء مستعمل أو حتى ألبسة قديمة أو أي شيء مهترئ في تشغيل المدفئة في منزلنا، لا تكلف إلا القليل في ظل تعذر شراء برميل المازوت الغالي جدا.
الألبسة المستعملة والدواليب وقودا للمدافئ
يشتري « أبو عمر» الملابس المستعملة «البالة» التي لم يتمكن بائع الألبسة المستعملة من تصريفها فهي لا تصلح إلا لهذه المهمة الجديدة، 35 ليرة سورية للكيلو الواحد، حيث أصبحت محلات الألبسة المستعملة تضع تسعيرات خاصة للألبسة المعدة للاحتراق.
ويتابع «أبو عمر»: نقوم بشراء هذه الألبسة ونلفها كقطع ونربطها بأسلاك كي تتماسك وتأخذ فترة أطول في الاشتعال داخل المدفئة، ويعد ذلك بمثابة تنظيم أكثر لهذه الاستخدامات.
ويستطرد: ولكن حتى الألبسة المستعملة بات بعض الناس عاجزين عن شرائها رغم قلة ثمنها.
«الوقود الجديد».. منهك للصدور
«اختنقنا».. كلمة قالها «أبو عمر» في إشارةٍ إلى سوء الرائحة المنبعثة من استخدام الأحذية المهترئة والدواليب في التدفئة، وعلى الرغم من ذلك يقول «أبو عمر» أنه يقضي ساعات من يومه في جمع الأحذية البالية والدواليب الغير صالحة، لكي يقضي سهرته هو وأولاده حول المدفئة التي أنهكت صدورهم من الروائح التي تصدرها.
وحول كيفية ظهور الفكرة، يقول «أبو عمر»: إن هذه الفكرة كانت عفوية في ظل عدم توفر المال الكافي لشراء حتى لتر واحد من المازوت، أما اليوم، فقد أصبحت العملية أكثر تنظيما، حيث أقوم يوميا بتقطيع الدواليب المطاطية إلى قطع ليسهل استخدامها، متعاملا معها وكأنها قطع حطب، ويضعها في الصناديق، وحتى «الصناديق الكرتونية» التي يجمعها من محال الجملة والسوق يقوم أبو عمر باستغلالها في مدفئته التي لا يوفر شيئا إلا ويجرب وضعه فيها.
أما «أم سعيد» وهي سيدة من ريف إدلب، لا توفر حتى قشور البرتقال والتفاح أو أي شيء قد يخطر في البال إلا وتلقيه في مدفئة الحطب التي ركبتها هذه السنة لأول مرة، وتتلفت من حولها طيلة الوقت باحثة عما قد يساهم في اشتعال هذه النار في مدفأة منزلها، لتلقيه بداخلها دون أي تردد في سبيل تدفئة أولادها الصغار حتى لا يصل البرد إلى أجسادهم.
وهكذا فرضت الظروف نفسها على الكثير من العائلات الفقيرة في ريف إدلب، وأجبرتها على أن تقضي شتاءها، راضية بقدرها، مصرة أكثر على البقاء، لتضيف نقطة جديدة تساهم في مزيد من التعرية للإنسانية المزعومة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*