أطفال من “قتلوا تحت التعذيب” يخوضون تجاربهم

بينما كان أبو أحمد عائدا بشاحنته التي يوزع بها المواد الغذائية على قرى وبلدات ريف إدلب إلى منزله، أوقفه حاجز “وادي الضيف” التابع لقوات النظام السوري بالقرب من مدينة معرة النعمان، وبعد تفتيش سيارته وجهاز هاتفه عثر العناصر على مقطع مصور لإحدى المظاهرات فاعتقلوا أبو أحمد على الفور.

ظل ابنه أحمد الذي كان في السادسة من عمره ينتظر أباه كل مساء على أمل خروجه من السجن، لكن مع الأيام بدأ أمله يتلاشى وسط شائعات تسرب بعضها إلى أم أحمد عن وفاة زوجها.

تقول أمه: “لقد تغير كثيراً بعد اعتقال والده، وصار يخاف من أي رجل مسلح ويعتبره خطراً عليه، يختبئ كلما رأى شرطيا أو حتى مدنيا يلبس لباسا عسكريا، ترافق ذلك مع ازدياد عناده وقلقه ومشاكله مع رفاقه”.

في كانون الثاني عام 2014 أي بعد عام ونصف من اعتقال أبو أحمد  تمكنت العائلة من الوصول إلى خبر مؤكد عن مصيره، إذ أخبرهم الرجل “الوسيط” صاحب العلاقات النافذة لدى أجهزة الأمن السورية، أن أبو أحمد قد توفي في السجن تحت التعذيب.

أبو أحمد واحد من 89 ألف مختفٍ قسرياً، قدرتهم “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في سوريا، معظمهم على يد الحكومة السورية. كما قام “مركز توثيق الانتهاكات” وهو مجموعة مراقبة محلية، بتوثيق أسماء 60 ألف شخص تحتجزهم الحكومة منذ 2011، ولا يزال مصيرهم مجهولا.

وكانت الحكومة السورية قد قامت بتحديث السجلات المدنية لتشمل شهادات الوفاة لمئات الأشخاص الذين كانوا محتجزين أو أخفوا قسرا على يد الحكومة. لم تقدم التحديثات تفاصيل محددة غير التاريخ، وأحيانا سبب الوفاة، ولم تسلم الحكومة العائلات جثث الضحايا. تواصل الحكومة السورية احتجاز وإساءة معاملة الأفراد في المناطق الخاضعة لسيطرتها بحسب لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بإخطارات الوفاة في سوريا في تشرين الثاني 2018.

وجاء في تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الاختفاء القسري ينطوي على كم مرعب من الانتهاكات التي يتعرض لها الشخص المختفي كالتعذيب والحرمان من الرعاية الصحية والعرض على المحاكم السرية والموت بسبب التعذيب أو الإعدام، وأضاف أن القلق والمعاناة اللحظية الناتجة عن الاختفاء القسري والتي يعاني منها ذوو المختفي كانت هدفا مخططا من قبل النظام السوري لضرب الحراك الشعبي.

وكانت جريدة زيتون قد وثقت بالتعاون مع مركز البراءة للطفولة أسماء 540 معتقلاً من محافظة إدلب قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام، في كتاب صدر عام 2018 في كتاب حمل اسم “حين تتحدث الزنازين”، وتناول الكتاب مصير عائلات المعتقلين بعد وفاتهم ذويهم في السجن، والآثار التي يتركها فقدان أحد أفراد الأسرة على مستقبلها، لا سيما إن كان قد “قتل تحت التعذيب” وما تحمله تلك العبارة من صور مؤلمة وبشكل خاص على الأطفال.

الطفل أحمد بعد معرفة وفاة والده:

يروي العم كيف سمع أحمد نبأ وفاة والده تحت التعذيب، وهم يخبرون أمه عن التفاصيل التي حصل عليها أحد الوسطاء، يقول العم: “لم يبك، لكن عيناه التائهتين كانتا تبحثان عن معنى ذلك طوال الوقت”، مضيفاً “نزح مع أمه الى القرى المحيطة، وفي النزوح عانى الطفل من التهميش والفوضى وقلة الرعاية، ومع تعاقب إغلاق المدارس بسبب القصف والنزوح، آثر ترك المدرسة “.

توفيت جدة أحمد التي كانت تعيش معهم في أيلول من عام 2016، وكانت الأقرب له بعد أبيه، فقررت أمه اللجوء الى تركيا على أمل أن توفر له ولأخته مكاناً أكثر أمناً بعد تصاعد حدة القصف على المدينة، وتمكن أحمد مع أسرته دخول الأراضي التركية بعد أسبوع من المعاناة عاشوه على الحدود بانتظار فرصة للدخول بشكل غير شرعي، أقاموا خلاله في خيمة بناها المهرب لمن يعلقون على الحدود.

في تركيا وفي بلدة “الريحانية” القريبة من الحدود السورية، لجأ الصغير مع أمه وشقيقته هدى التي تبلغ من العمر 14 عاماً، إلى إحدى الجمعيات الخيرية التي تؤمن سكنا للأسر اليتيمة، تشترك كل أسرتين أو ثلاث في شقة واحدة، لكنها تشترط نظاما صارما يتبع منهجا إسلاميا، ويخضع المقيمين في السكن مع أطفالهم لدروس دينية مع أوقات محددة للخروج والدخول من السكن بحسب الأم.

بعد ثلاث سنوات قضاها أحمد في تركيا، وبعد أن بلغ التاسعة من عمره، حصل في تموز من عام 2018 على قبول مع عائلته للجوء إلى فرنسا، وهناك أحس لأول مرة باختلاف الحياة، وتمكن من تنفس الحرية في جو من الهدوء والطمأنينة.

مع انتهاء عامه الأول له في فرنسا يمضي أحمد قدما في تعلم اللغة الفرنسية، ويمارس عدة رياضات يحبها كسباق الدراجات والسباحة، كما يشارك في أنشطة فنية تقيمها المدرسة بعضها مسرحيات تقدمها بحضور الأهالي، ولديه أًصدقاء من جنسيات مختلفة، كل هذا مكنه من تجاوز تجربته سابقة والتطلع إلى حياة جديدة.  

تم إنتاج هذه المادة بالتعاون مع منظمة FPU

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*