بعد القصف.. قلة المختصين وكثرة الازدحام أكبر مشاكل صحة الأطفال

صورة من أحد مشافي مدينة معرة النعمان – جريدة زيتون

زيتون – غادة باكير

يتميز القطاع الصحي في الشمال السوري عن باقي القطاعات الخدمية بالتنظيم والإدارة والفعالية وهو ما أثبته خلال السنوات الماضية رغم  ما يشارك فيه باقي القطاعات من مصاعب وربما بشكل مضاعف، وذلك لما تتعرض له المشافي والنقاط الطبية وكوادرها من استهداف متعمد من قبل سلاح الجو السوري والروسي.

كما يتعرض القطاع الطبي لاعتداءات من قبل هيئة تحرير الشام الفصيل المسيطر على محافظة إدلب، إذ تقوم الهيئة باعتقال الأطباء واقتحام المشافي دون اعتبارات لحرمتها، واعتقال المصابين من داخل المشافي، والاستيلاء على تجهيزاتها في بعض الأحيان، ما دفع العاملين في القطاع إلى تعليق عملهم أكثر من مرة كان أخرها تعليق عملهم احتجاجا على حادثة الطبيب عثمان الحسن الذي تعرض لإصابة في قدمه والاعتداء عليه وعلى كادر المشفى أثناء علاجه ومن ثم اعتقاله كل ذلك من قبل تحرير الشام.

الاستهداف المتكرر للمشافي وما رافقها من خروج عشرات النقاط الطبية عن الخدمة دفع بالأمم المتحدة لتشكيل لجنة تحقيق أممية معنية بسلسلة من الهجمات على مستشفيات محافظة إدلب.

وكتبت مراسلة صاندي تايمز “لويز كالاغان” في بداية شهر أيلول الحالي  تقريرا من مستشفى إدلب المركزي يكشف القصف المتواصل طوال شهر من قبل القوات السورية وحليفها الروسي خلّف مئات القتلى من المدنيين، والكثير منهم أطفال.

وأشارت المراسلة إلى أن طائرات القوات الحكومية وحليفها الروسي تستهدف بشكل ممنهج المشافي، مؤكدة أن أكثر 48 مركزاً طبياً قد استهدفهم الطيران الحربي وتسبب في مقتل أكثر من 862 مدنيا منهم 226 طفلاً.

خصوصية مشافي الأطفال

حاضنة في مشفى الحياة بمدينة سراقب – زيتون

لكن القطاع الصحي الخاص بأقسام الأطفال لاقى خلال السنوات الماضية الكثير من الانتقادات التي أشارت إلى قلة المعدات والأدوية والمرافق الخاصة.

مسؤول المشافي في مديرية الصحة في محافظة إدلب “يحيى نعمة” تحدث لزيتون عن عدم كفاية أسرة العناية بالأطفال وعدم تلبيتها سوى 10% من حاجة المشافي.

وأضاف مسؤول المشافي:

“لدينا نقص واضح في أجهزة التحاليل والأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بمشافي الأطفال وخاصة بالأمراض النوعية التي تخص الأطفال الخدج وحديثي الولادة”.

ويؤكد المسؤول على افتقار القطاع الصحي في محافظة إدلب إلى أقسام العناية وأجهزة التنفس في غرف العناية المشددة للأطفال وأدويتها واللازمة والحاجة الملحة إلى دعم أعداد الكوادر، موضحاً أن المحافظة لا تحتوي إلا على مستشفيين اثنين فقط هما “مشفى الشام” في سرمدا و”مشفى ابن سينا” بإدلب حيث يوجد متخصصين بالأطفال وتتوفر عنايات وعزل وأطباء على مدار الساعة.

وتقوم دور الرعاية الصحية الأولية المنتشرة في المدن والبلدات بتخفيف الضغط عن المشافي بما تقدمه من خدمات طبية عبر أطباء مختصين بطب الأطفال، إذ تستقبل الحالات البسيطة والمتوسطة وتحول ما تعجز عن علاجها وفق “نظام الإحالة” إلى المشافي التي تتوفر فيها الرعاية المطلوبة.

مركز الرعاية الصحية الأولية في الدانا

مركز الدانا للرعاية الصحية الأولية – زيتون

يوجد في مدينة الدانا عدداً لا بأس به من المشافي والمراكز الطبية، وربما تكون من أكثر مدن المحافظة احتواءً للمراكز الصحية، إلا أن هذه المشافي والمراكز الطبية الموجودة في المدينة، جميعها تتبع للقطاع الخاص، باستثناء مشفى حريتان الخيري، ما دفع ببعض المنظمات الداعمة لإنشاء مركز الرعاية الصحية الأولية لتقديم خدمات مجانية للأهالي في مدينة الدانا والقرى المجاورة لها.

مدير مركز الرعاية الصحية الأولية في مدينة الدانا “محمد مؤيد الصغير” قال لزيتون: “يضم المركز عدة عيادات منها عيادة للأطفال، ويستقبل المركز ما يقارب 3000 مريضا خلال الشهر الواحد، كما يقدم الأدوية المتوفرة لديه بشكل مجاني”.

“يوسف المحمد” أحد مراجعي المركز قال لزيتون: “هناك نقص كبير في الأدوية لدى المركز، ونضطر لشراء معظم الأدوية، من الضروري دعم المركز بالأدوية ولا سيما الأدوية الخاصة بالأطفال، ذات الأسعار المرتفعة”.

بينما اشتكى “محمد ماجد عبد الله” أحد مراجعي المركز من قلة عدد الأطباء في المركز، وكثرة عدد المراجعين له.

الطبيب المعالج في مركز الرعاية الصحية الأولية بمدينة الدانا “فادي السوسي” تحدث عن مشكلة مساحة المركز الصغيرة، التي لا تسمح بالتوسع وافتتاح عيادات جديدة، منوهاً إلى حاجة المركز لمواد التخدير وبعض الأدوية ولا سيما أدوية الأطفال.

مشفى النور في تفتناز

يستقبل مشفى النور في مدينة تفتناز بريف إدلب نسبة تقدر 35% من عدد الأطفال المرضى في قسم الأطفال أي ما يعادل 50 طفلاً خديجاً في الشهر الواحد وذلك بحسب مدير مشفى النور “بديع صبحة”.

يواجه المشفى ضغطاً كبيراً بأعداد المرضى نتيجة لاتساع المناطق التي يغطيها في ريف إدلب الشمالي والشرقي، بالإضافة إلى ريف حلب الغربي والجنوبي

كما تمثل مشاكل كنقص الكادر الطبي، وعدم وجود بعض التخصصات النوعية مثل اختصاص أطفال عصبية أو أطفال كلية أو أطفال قلبية، بالإضافة لنقص التجهيزات الطبية المتطورة أهم التحديات بالنسبة للمشفى بحسب مديره.

ويشير مدير مشفى النور إلى نقص العديد من الأدوية الضرورية اللازمة لقسم الحواضن مثل الأدوية اللازمة لتحسين الوظيفة التنفسية للخدج، وصعوبة في تأمين الأدوية اللازمة لعلاج مرض “التهاب السحايا” الذي شهد ارتفاعا في عدد الأطفال المصابين فيه، حيث تقدر حاجة المشفى الشهرية بـ 700 (فيالة) وهو مضاد حيوي ذو سعر مرتفع يحتاج إليه الأطفال المصابون بالتهاب السحايا بكميات كبيرة، ويشكل شراؤه من قبل الأهالي إرهاقا ماديا لهم.

ويعزو الطبيب “بديع صبحة” العدد الكبير من الأطفال المرضى بسوء التغذية إلى ظروف الحرب والفقر المنتشر بين الأهالي وحالة النزوح عجز بعض الأمهات عن إرضاع أطفالهم الحليب الطبيعي أو الصناعي بسبب سوء الوضع المادي، فيلجأن لإرضاع أطفالهن مشروبات نباتية كاليانسون أو مسحوق النشاء أو حليب البقر للأعمار الصغيرة، ما يظهر أثره بشكل ضار على الحالة الصحية للأطفال وخاصة الرضع.

مشفى الحياة في سراقب

مشفى الحياة في مدينة سراقب – صفحة المشفى

يحتوي مشفى الحياة في سراقب على خمس حواضن فقط، لكنها تعتمد في تلافي النقص على “مجموعة التنسيق العامة” وهي مجموعة تضم إدارات المشافي في المحافظة وتنسق عبر شبكة الإنترنت فيما بينها وتقوم بتوجيه المرضى وتوزيعهم بحسب الشواغر الموجودة في المشافي.

الطبيبة “سهاد عبيد” العاملة في مشفى الحياة قالت لزيتون إن إمكانيات المشفى ضعيفة بالنسبة للحواضن، ومن الضروري تطوير هذا القسم وتوفير عناية مشددة ومنافس وحواضن، مؤكدة: “إن أكبر المشاكل التي تواجهنا هو عجزنا عن توفير حاضنة لأحد الأطفال المحتاجين في مشافي المحافظة، ما يجبرنا على تحويله إلى مشافي تركيا، وما يستتبع هذا التحويل من مشاكل في رفض تركيا دخول مرافق للطفل المريض غير الأم، كما يمنعون حتى الأم أحيانا من مرافقته وهذا يشكل كارثة بالنسبة للأهل.

كما تحدثت الطبيبة عبيد عن الضغط الذي يتعرض له مشفى الحياة نتيجة لكثرة المرضى وما يرافقه معاناة للأهالي، كما يلعب موضوع الدعم المادي للمشفى دوراً كبيراً في استمرارية العمل مذكرة بتوقف المشفى لمدة أربعة أشهر بسبب توقف الدعم ليعود للعمل مع بداية الشهر أيلول الحالي.

من جانبه أكد مدير “مشفى الحسن” في سراقب حسن جرود عن إغلاق قسم الحواضن في المشفى منذ عدة سنوات بسبب مشكلة الكهرباء، إذ تتطلب الحواضن كهرباء مستمرة لا تتوفر هذه الاستمرارية لديهم في المشفى، ما يستحيل معه استقبال الأطفال الخدج الذين قد يحتاجون للبقاء ضمن الحاضنة عدة أيام.

يبدو أن القطاع الطبي الخاص بالأطفال يحتاج إلى بذل جهود أكبر للحفاظ على استمرارية العمل وتوفير الخدمات الضرورية للأطفال، لا سيما في ظروف موجات النزوح الكبيرة التي قد تفوق حتى قدرة الدول المستقرة.

تم إنتاج هذه المادة بالتعاون مع منظمة fpu

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*