النظارتان

Medical-lenses-380x198

 

زيتون – أسعد شلاش

قسى الزمن على بصره ستيناً من السنين، حيث أمضى طفولته في الظلام، كما كل أهالي قريته قبل أن تصل الكهرباء إلى بلدته الصغيرة، بدأت عيناه تخونه ولم يعد قادراً على معاينة خطاه بشكل واضح، ما اضطره أن يتوقف عن عمله ويقاسي أياماً سوداء هو وزوجته وأطفاله، فلقمة عائلته ارتبطت بعمله وفقط، تبرع له بعض الأصدقاء بدفع تكاليف عمل جراحي عند أحد أطباء العيون وتمت بنجاح، وكان من الطبيعي بعدها أن يضع على عينيه نظارة طبية كما ارتأى الطبيب.
تقادم الزمن على نظارته بدأت رؤية عينه اليسرى بالتراجع وغدا هذا الأمر مصدر قلق له، في إحدى زيارته المعتادة لأخيه عبر له عن قلقله، فما كان من أخيه إلا أن أحضر نظارته التي كان يستخدمها سابقاً، وحين وضعها محمد على عينيه من قبيل التجربة لاحظ أن الرؤية في عينه اليسرى التي كانت تقلقه قد بدت أوضح بكثير، وعبر عن ذلك لأخيه وطلب منه أن تكون النظارة له، طالما أن أخاه لا يستخدمها، وكان له ما أراد.
أصبح محمد يضع نظارة أخيه فوق نظارته وبهذا يضمن رؤية جيدة وواضحة بعينيه الاثنتين، الكثير من أهالي بلدته أعرب عن دهشته واستغرابه كيف يمكن أن يضع شخص ما نظارتين فوق بعضهما، ويسير في الشوارع ويجالس الجميع وكأن الأمر عادي تماماً.
راح الكثير من عامة الناس يتحدث مع أصدقائه وأقربائه على أنه من المعيب أن يضع شخص ما نظارتين، وكثر الهرج حول هذه الحالة حتى شعر أبناؤه بالحرج أمام الأصدقاء وقرروا أن يتكلموا مع والدهم عساه يكتفي بنظارة واحدة.
أخذ أحد أبنائه المهمة على عاتقه، تحين الفرصة التي يكون فيها مزاج الوالد على ما يرام، فمحمد له رقم سري إن أحسنت اختيار اللحظة والأسلوب المناسب استطعت الدخول إلى أعماقه، وأخذ ما تريد بكل رحابة صدر وطيبة خاطر، وإن لم تجيد اختيار اللحظة والأسلوب تكون ردة فعله تجاهل كلامك تماماً، وأحياناً يكون رده قاسياً وعنيفاً.
جلس الابن الذي كان يظن بنفسه أنه تجاوز الكثير من العادات والتقاليد البالية بجانب والده بعد أن ألقى السلام عليه، دفع له الوالد علبة دخانه وبعد أن انتهى من لف سيكارته صب الأب لابنه فنجاناً من القهوة المرّة، بناء عليه أدرك الابن أن الأجواء مهيئة ليفاتح والده بما عزم عليه بنبرة هادئة تحمل الكثير من مشاعر الاحترام المشوبة بالخوف، سأل: أتسمح لي أن أعرف ما الذي يدعوك أن تضع نظارتين؟ ابتسم الأب وهو يقول: إن عدسة نظارته اليمنى تريه الأشياء بشكل واضح أما اليسرى فلا، ونظارة أخيه العكس فما من طريقة لتكون الرؤية واضحة، إلا أن يضع النظارتين فوق بعضهما، أردف الابن: ولكن ذلك غير لائق ويمكن أن يكون في نظر الآخرين (عيب)، والناس تلغط بهذا الموضوع كثيراَ. رد الوالد بهدوء: ليس هنالك ما يحرم هذا الأمر، أما بشأن العيب، فما العيب في أن أضع نظارتين فوق بعضهما هل في ذلك ما يسيء للبشر أو ما يزعجهم، هل ذلك يمثل اعتداء على حرماتهم، إذا كنت أنا مرتاح بهذا الوضع ولا أتسبب في إيذاء أحد آخر فأين يكمن العيب؟ بل وسأزيد أن الكثير منهم يسيء بطريقة أو بأخرى للكثير ممن حوله، وليت كل منهم انصرف إلى شؤونه الخاصة، هل يعلم من يعيب علي ذلك أنني لا أستطيع حاليا أن أتدبر تكاليف سفري إلى المدنية وتكاليف معاينة الطبيب ومن ثم ثمن نظارات (كزلك) جديدة؟ العيب يا بني أن يلومني الناس على ما يريحني ولا يزعجهم، العيب أن أمشي في الشارع وأتعثر في خطاي من أن أرضي الناس وفقط، العيب أن يحشر أحد ما أنفه فيما لا يزعجه ويسيء له، العيب أن تنظر للناس بنظارتك وتتجاهل واقعهم وصدق من قال (إرضاء الناس غاية لا تدرك). يا بني إرضاء الناس ليس غايتي، المهم، أنا مرتاح هكذا وسأبقى على ما أنا عليه.
تعذر على الابن متابعة الحديث، لأن ما قاله الأب كان مقنعاً بالنسبة له، ولم تقتنع خديجة بما سمعته من ابنها، واعتبرت أنه فشل في إقناع والده، واغتنمت فرصة زيارة أحد الأقارب وزوجته لكي يحل الموضوع بطريقته الخاصة، وفعلاً بعد أيام قليلة زار هذا القريب العائلة وشكا لمحمد أن نظره ليس على ما يرام، وقبل أن يطلب منه أن يجرب نظارته سأله أيهما تكون نظارة أخيه، وضع على عينيه نظارة محمد وادعى أن رؤيتها تشوشت أكثر، وعندما جرب نظارة أخيه لمحمد زعم أن رؤيته على ما يرام، فما كان من محمد إلا أن قال له خذها (مقدمة) وضع القريب الزائر النظارة في جيبه، ودع محمد وانصرف.