تحية لها في عيدها

650_433_01355123109

ما يعنيها أكثر من كلّ هذه الهيصة الدائرة  حولها هو عودتها إلى بدء الكينونة الأولى فها هي  تغافل حاضرها  وتسرق برهة من زمنها المهدور على أرصفة آلام الشرق لتوحّد وجد وجدانها في طقس صوفيّ مع صغير تهدهد سريره على سريرتها وكأن حبل سرّته مازال عالقاً بها، تنفث خلاصة همّها غناءً بصوت أنثويّ محمّلٍ بعبقِ عصور مجدها، شاكيةً من شرقٍ محرقةُ استبداده تلفح الجميع نوعاً وجنساً بظلمها وقهرها وتناسبه طرديّاً مع التصنيفات التراتبيّة التي تفرّخها حظائر الاستبداد، فالمرتبة الاجتماعيّة هنا منوطة ببعد مأسويّ وقهريّ، ولذلك تعاني الشرائح الاجتماعيّة الأدنى – حسب تصنيف هذه المجتمعات – الحجم الأكبر من الاضطهاد والتعسّف، ولأنّ هذه التجمّعات ما أنجزت مشروعها الحضاريّ بعد، وظلّ الاستبداد وما يرتبط به عضويّاً من مخلّفاته المتخلّفات على كافّة الصعد، وأهمّها اتساع هوّة التمييز وعدم المساوة بين رجل سلبه الظلم والاستبداد رجولته التي يفاخر بها،  ومنعه الخوف والقمع  ممارسة إنسانيّته وبين امرأة حمّلها قهرها التاريخيّ منذ آلاف السنين باعتبارها الطرف الذي تقع عليه كلّ أنواع الحيف.

 وهذا البسيط بوعيه وثقافته الذي تجترّه قواطع الاستبداد وتجعل منه كائناً عصبيّاً وعِصابيّاً لا يستطيع أن يصرخ في وجه ظالمه ولا يبقى أمامه من خيار إلّا أن يقذف ما أثقل به كاهله من توتّرات وخيبات على الأضعف في سلّم الترتيب الاجتماعيّ لمجتمع الذكور، وهكذا تقع المرأة تحت حيفان: حيف الرجل “أب وأخ وزوج” وحيف مجتمعها الذي جأر بجوره عليها تاريخيّاً معتبراً إياها الجنس الأنى.

 ومهما تشدّقت وادّعت مجتمعات الاستبداد بشتّى أشكالها وأيّاً كان لون الثوب الذي ترتديه بشعارات فارغة من مثل (تحرّر المرأة ومساواتها بالرجل) تبقى شعارات كلاميّة فارغة من أيّ محتوى، ككلّ شعارات الاستبداد والتي لا تصلح حتّى للاستهلاك المحليّ، وكلّ المنظّمات التي تفرّخها هذه المجتمعات من مثل (الاتّحاد النسائيّ) وأيّ تجمّعات نسويّة أخرى ما هي إلّا مجرّد تشكيلات مبتذلة غايتها تخدير المرأة وتغيب الوجع الحقيقيّ، ففي مجتمع مازال الرجل فيه مقموعاً ومستعبداً لمِنَ السماجة أن يتمّ الحديث عن تحرّر المرأة، فالحريّة والتحرّر كلّا لا يتجزّأ.

 وجدت المرأة المشرقيّة ومعها  السورية فيما عُرف بثورات الربيع العربيّ فرصتها، وخاصّة في المناطق الريفيّة والضاغطة بشكل أكبر على حريّتها لتغادر قوقعتها وتصرخ في وجه المستبدّ مطالبة بحريّتها، نزلت إلى الشارع مع الرجل، هتفت للحريّة، زغردت لرفع الظلم وعسف الاستبداد عنهم ورفع ظلمه وظلمهم عن تاء تأنيثها، لم يكن يعنيها كثيراً أن تكون الحشود نسويّة فقط، أو أن تسير خلف الرجال وتردّد وراءهم هتافاتهم، كان يعنيها فقط الخروج من سُباتها، يعنيها أن تكون هناك في الشارع حيث الرجال يهتفون للحريّة، يعنيها أن تصرخ، أن تشكو همّها وهي تدرك بحدسها الأنثويّ أنّ إسقاط رموز الاستبداد في مجتمع ما يعني إسقاط المنظومة القيميّة والمفهوميّة بشكل عامّ، وهو الخطوة الأولى في طريق تحرّرها وخلاصها  بحدسها الأنثويّ الهادئ المتأمّل، كانت تهتف لحريّتها وتصرخ في وجه مجتمع أبويّ (بطرياركي) ظالم.

 واكبت المرأة كلّ حيثيّات الثورة، فكانت اليد الناعمة التي تسعف الجرحى والصوت الأنيق الذي ينقل أخبار الحراك الثوريّ، وناشطة في مجال الإغاثة وأجمل الأمهات وهي تشدّ من همّة أبنائها ويأكلها الضجر في ليلها ف (تغمض عين لتصحو عين) وكثيراً ما (عاد أحد أبنائها مستشهداً فبكت دمعتين ووردة ولم تنزوي في ثياب الحداد) ولم يتوانَ الطاغية وعصابته عن اعتقالها وتغيبها في عتمة زنازينه والتنكيل بها على كافّة المستويات.

 هي امرأة فقدت أبناءها، وقد يكون زوجها وبقيّة تكابد ألم النزوح ومرارة المخيّم مع من تبقّى من الأهل والعائلة، وعندما تأسلمت الثورة، هُمّشت المرأة وأقصيت تحت ذرائع مختلفة.

 وبفهم إسلامويّ يريد للمرأة أن تبقى مجرّد تابعة للرجل، والأنكى من ذلك ما فعلته الكتائب الإسلامويّة من تضيق على المرأة في كافّة المجالات، وصلت إلى القتل والرجم، أمام هذا الوضع انكفأت وتراجع دورها ولو إلى حين، فهي مدركة للحقيقة التي لا تغيب عن بال إلّا من عميت بصيرته، أنّه في القرن الواحد والعشرين لا يمكن أن تصل أيّ ثورة إلى مبتغاها بتحرير الإنسان إلّا بمشاركة كلّ الإنسان – رجل كان أو امرأة – وإذا كان ثمّة حقيقة مؤكّدة للجميع،  وهي أنّ سورية ما بعد الثورة لن تكون هي سورية ما قبل الثورة، بكلّ المعاني فإنّ المرأة السوريّة لا يمكن أن تستثنى من هذه الحقيقة، ولن تكون هي المرأة ما قبل الثورة.

تحية إلى المرأة في عيدها، تحية لكلّ أمّ سوريّة فقدت زوجها أو من أنجبت، وأيّا من غواليها. تحية إلى كلّ امرأة تكابد آلام النزوح في المخيّمات، تحية إلى كلّ امرأة سورية أينما كانت والحرية لرزان وسميرة وكلّ المعتقلات في سجون الطغاة. 

إياد الحسن