المنظمات الاغاثية، ارتزاق أم قصر نظر!

10917214_765770060174792_5077593936870562918_o

يبدو المشهد الحالي لمنظمات المجتمع المدني التي تعمل خارج الأرض السورية، وحتى بعضها من التي تعمل داخل الأرض السورية، أشبه بتحصيل المنفعة الصغيرة المؤقتة على أفضل حال.
تبهرك الكميات الكبيرة من النويشطة، التي خرجت ضمن الثورة السورية، والتي ارتضت أن تدخلها بناء على مكتسبات نفعية، حصلت عليها جراء مغادرتها للحدود السورية، لتستوطن أراض غير سورية قد تكون مجاورة أو بعيدة عن التراب السوري.
لا تستغرب صديقي الثائر، فالبحث عن الوظيفة واقتناص الفرصة، لم يترك لك مكاناً كي تمارس فيه ثورتك، بالطريقة التي لا ترضى فيها أن تكون مقيدة أو مرتبطة بأهداف بعيدة المدى، تربط قرار بلدك السيادي، الذي خرجت للمطالبة فيه، حراً من الاملاءات والتعسفات والممارسات، فيجعل منك مرة أخرى مجرد أجير في دولة أردتها أن تكون دولة الكرامة والمواطنة والتشارك في صنع القرار، بات أمراً عسير المرام.
لا ريب قطعاً، ولا يحق لي، ولا لغيري، أن يحكم على جميع العاملين ضمن (منظمات) المجتمع المدني على أنهم مجموعة من الموظفين الذين استطاعوا ب»مؤهلاتهم» حجز مواقع التخطيط والانفاق للمساعدات التي تصل للشعب السوري المنهك من كل الجهات، ولكن يحق لي أن أوصّف المقدار من الانتفاع الذي لم يتحقق بغالبية كبرى للشعب السوري، خصيصاً لمن بقي في الداخل، الذي لم تتح له الفرصة للنجاة بنفسه، من هول القصف وقسوة المعيشة لأسباب مختلفة، منها عوز مادي، وأخرى ارتباط عضوي بالتراب السوري يصعب فراقه، وقدرية عقدية استسلامية معقدة الشرح ويصعب تغييرها.
إن التخطيط المرتبط بالأرض السورية، وحاجات أهلها، ذاك الذي يفهم أنماط تفكيرهم، السلبي قبل الايجابي، يدعو لتخطي مستوى الانتفاع الراهن والحالي المؤقت ليقوم بموائمة المصادر المالية، غير المتوافرة دوماً، فيغطي حاجات أكثر ديمومة ونفعاً للمواطن على المستوى البعيد، من ذاك الذي يتعامل بفكر ساذج وتنفيذي، قد يكون تم الباسه اياه مقصوداً من الجهة الداعمة، ليكون محصوراً ضمن قيد لا يمكن فكه عبر المنظور القريب، فيربط العاطي بالمعطي، ويجعله شيئاً فشيئاً تابعاً له يدور في فهمه، ويخدم مصالحه قبل أي أهداف ومصالح أخرى.
إن التصور المظلم الذي بات واقعاً، منذ نشأة وتكاثر منظمات المجتمع المدني، مع أنها الداعمة الوطنية المطلوبة في المستقبل للدولة السورية القادمة، يدعو بشكل ملح لرسم خارطة فك الارتباطات الخفية، التي بدأت تلوح نتائجها وروائحها لشخوص، باتت ديمومة وظيفتهم ورواتبهم لديهم أهم من النفع المترتب عليه، وهو أصلاً ما تم توظيفهم بناء عليه، فقد لاحظ كثر متعاقبين من ذوي الحياد، وحتى العاملين في ذات الشأن المدني، أن كفة ترجيح الدعم المالي،باتت للوبيات تمخضت بناء على ايدولوجيات، كثير منها لا يتماهى مع هوية الشعب السوري، أو على الأقل لا يحترم ثقافته، حتى وان كانت تلك الثقافة بحاجة لإعادة النظر، ويعامل تأخره حول بعض المفاهيم، بطريقة صدامية لن تجر الا للمزيد من التفكك والنفور.
بدأت مثل هذه المنظمات، التي (تمتلك الحق) بتوزيع المساعدات السورية، لتتصرف بها على أنها أعطيات توهب للمشاريع الإغاثية فقط، فيتم عبرها شراء ذمم المستفيدين للأسف على المنظور البعيد، ولم نشاهد على العموم الأكبر أي اهتمام بمشاريع تنموية تغني صاحب الحاجة الدائمة من التسول الاغاثي، على كافة أشكاله وأحواله، ليستمر وضعه في دائرة الكسل والارتهان لمثل هذه المنظمات.
قليل جداً من تلك المنظمات التي اهتمت بتمويل مشاريع زراعية كبيرة، بدلاً عن الاتجار بسلال غذائية مع أنه من المعروف أن الأراض السورية أراض زراعية خيّرة وخصبة، وتفعيل العمل فيها يعطي فرصاً كبيرة للعمل وبالتالي استقلالاً فعلياً مالياً عن سؤال المساعدات.
لم نسمع عن مشاريع تعيد توطين اللاجئين، خصيصاً في الداخل السوري، وبالعكس سمعنا عن محاولات باتت مخجلة من محاولات استدرار العطف عليهم، والتسول باسمهم، في كل اضطراب طقسي، خصيصاً في فصل الشتاء. شاهدنا المناشدات الحارة لشراء خيم وملابس شتوية تقيهم البرد، وقليل جداً، بل ونادراً ما سمعنا عن أحد حاول أن يعيد ويساعد هؤلاء على العودة لقراهم ومدنهم، التي لا يطالها قصف أو نزاع مسلح، ويعيد تأهيل شيء من فقرهم المستدام حيث كانوا مغمورين لا يدري بهم أحد منذ عشرات السنين.
إن الاستثمار الوقفي في مشاريع بناء الانسان، وسد حاجاته المستدامة والأساسية وهو يتمتع بالكرامة والقدرة على الحصول على فرص عمل، حتى وان كانت ضئيلة المردود لا تزال مغيبة، وهي الحلول المرتجاة للواقع السوري المفعم بالجراح.
ولا تزال الغالبية العظمى من هذه المنظمات الاغاثية، تتعامل مع الواقع من باب الاسترزاق، الذي قد يهدد مصدر عيشها بالأفول، وهكذا تستمر دائرة الحاجة والفاقة والمنفعة، وما يترتب عليها من سلبيات وخمول وارتهان سياسي مستقبلي، ويستمر الحلم بالحصول على كرامة مرتجاة، مجرد أضغاث أحلام في صحراء غير متناهية، من الجشع والاتجار والارتزاق بأحلام المعوزين والمشردين الفقراء.

عبد الكريم أنيس