“فكاهة” مريرة في الرقة: طائرات “الهدنة”.. هل تكون من نصيبنا؟!

12804644_462917337232685_467102033556830371_n

زيتون : أسامة عيسى

لا تكاد تهدأ سمائهم من هدير الأصوات المرتفعة، بل إنها المرعبة كما يقولون، عايشوا سنيناً من الظلم على يد نظام الأسد بعد ثورتهم في صفوف السوريين، ليقعوا بعدها ضحية بطش قوات النظام التي اعتقلت وهجرت المئات منهم، فضلا ً عن فاتورة ضخمة من الشهداء والمعاقين.

مناطق عديدة غادرها السكان، منهم نازحون بمناطق أخرى، ومنهم اللاجئون بتركيا، بعيداً عن الرقة التي سيطر عليها في الحقبة الأخيرة تنظيم “داعش”.

لم تكن الهدنة ذات معنى في مناطق الرقة مدينة وريفها، بل كانت “وبالاً على السكان” كما يرى أحد القاطنين في الأرياف الشمالية ويدعى “زهير محمد”، ممن اضطره وعائلته المكونة من أربع أشخاص للعبور إلى تركيا هرباً كما يقول من “البطش والموت”، حيث لم تكن الرقة داخلة ضمن مناطق التهدئة المتضمنة ما عرف “وقف الأعمال العدائية” انطلاقاً من خضوعها بالكامل تقريباً لسيطرة “داعش”.

يقول زهير: “حالات رعب تعيشها الرقة، إنها محافظة لا يجوز وصفها حتى بالمنكوبة، بات الدمار يخيم في كل مكان، وفي الأمكنة التي لا يوجد فيها دمار هناك رعب، إنه رعب يلف الناس جميعاً، وأقصد هنا المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة سوى أنهم كانوا ضحية افتراس كل الوحوش!!”.

ويضيف “شيء طبيعي أن يعيش الناس الرعب، وهم يرون أن مناطقهم أصبحت هدف واضح ومعلن حتى على الملأ لكل أنواع الطيران، الأسد يقصف والتحالف يقصف وروسيا تقصف، بالمقابل داعش في غالبية العمليات لا يصاب مقاتلوه بأذى بينما يدفع الفاتورة الباهظة المدنيين أنفسهم”.

سيطـر الجيش الحر على محافظة الرقة في نهاية آذار/مارس من العام 2013، لتكون بذلك أول مركز محافظة تخرج عن سيطرة نظام الأسد في سوريا. وخلال مرحلة امتدت عشرة شهور تنافست عدة فصائل داخل المدينة، فيما عاش أهالي الرقة ظروفاً عصيبة، بين قصف مدفعية النظام وطيرانه، وبين فوضى الأمن، وشيوع السلاح. وفي نهايات آب/اغسطس 2014 سيطر مقاتلو “داعش” على مطار الطبقة العسكري، وهو آخر معقل للنظام في المحافظة، ورابع أكبر قاعدة جوية في سوريا، لتكون أول محافظة تخرج بكامل مساحتها عن سيطرة النظام.

وصول صعب للغاية للتواصل مع أحد قاطني الرقة نظراً للتشديد الأمني الكبير الذي يفرضه داعش على النشطاء، فضلاً عن الأهالي الذين يستعلمون وسائل التواصل الاجتماعي، ما ترافق مع فرضه من رقابة صارمة على محال الإنترنت.

هنادي ح. مواطنة من الرقة، تعبر عن عدم رغبتها بالحديث عن التنظيم مكتفية بالإشارة إلى ظروف المدنيين هناك: “لم يبق أحد لا يعلم ما يجري في الرقة، فأي متجول في شوارعها سيلاحظ التغير الكبير الذي حصل الآن. الرقة الآن بالتأكيد لا تشبه الرقة التي كانت قبل ذلك، وأقصد أيام الحراك السلمي الأولى، الناس تعبت من الاضطهاد، أصبح همها لقمة العيش فقط”.

وتتابع “كذلك فإن لقمة العيش نفسها صعبة. لقد أصبحت مغمسة بالذل الآن. وإلا عليك أن تكون في جهة اليمين أو اليسار، وعندها فأنت بانتظار الموت، وإن بقيت حيادياً فأنت أيضاً على موعد آجل أو عاجل مع الموت. الطائرات تراها تحلق فوق رأسك، لا تعلم لمن تعود تلك، وأخرى للاستطلاع تمر لتصور بيتك ومنطقتك. هل ستكون الهدف المقبل؟ أنت لا تعلم ذلك!!”.

وعن شعور الأهالي تجاه ما عرف باتفاق “الهدنة” تجيب هنادي، وهي طالبة كما تقول: “هنا الناس تحسد باقي السوريين الذين ارتاحت رؤوسهم من هدير الطيران، ومن باب الفكاهة يقولون إن الطائرات التي غادرت درعا مثلاً وحلب وحماة ستأتي إلينا. ستكون من حصتنا في الرقة! من باب الدعابة كما أشرت، فالفكاهة هنا تحمل صورة الواقع المرير”.

وتشير “هنادي” إلى صعوبة بالغة يلاقيها المدنيون في سبيل تحصيل لقمة عيشهم، في ظل غلاء فاحش في الأسعار، وانخفاض معايير الصحة والنظافة العامة، وتلمح إلى أن أعداداً من السكان، لا سيما القاطنين في الأرياف قاموا بالنزوح إلى مناطق أكثر أمناً، ومنهم من فر إلى تركيا طلباً للجوء، وأعداد منهم أخرى وصلت إلى أوروبا.

وبين “الهدنة” السورية و”اللا هدنة” الرقاوية، تستمر معاناة أهالي المحافظة التي صنفت من أكثر المحافظات السورية اشتعالاً إبان الثورة، حالمين بيوم قادم يكون فيه سكان المحافظة بعيدين عن بنك أهداف الطيران الذي ضج مضاجعهم ليل نهار، موقعاً يومياً ضحايا في صفوفهم، فضلاً عن الانتهاكات الأخرى التي طالتهم على يد “داعش” نفسه.