عمالة الأطفال “رائجة” في الزعتري على مرأى المنظمات الدولية

12524332_467219836802435_7448667702405459727_n

زيتون : أسامة عيسى

“بدي أصرف على أمي وإخواتي.. حق خبز ما معنا .. لازم أشتغل وإلا بيقتلنا الجوع..!!” .. بعفوية خرجت الكلمات المريرة ممزوجة بخجل الطفولة من فم الطفل السوري محمود البالغ من العمر 11 عام، وهو يمسح بيده جبينه المغبر، حيث يعمل في استخراج الحصى من أرضية مخيم الزعتري شمال شرق الأردن “من الساعة السادسة صباحاً حتى الثانية عشر ظهرا، ثم من الساعة الثالثة عصراً حتى السابعة مساء، وأحياناً في الليل!!” كما يقول.

قصة الطفل السوري “محمود” هي واحدة طبعاً من قصص عشرات الأطفال السوريين ممن ذاقوا مرارة اللجوء واتجهوا إلى سوق العمل بدل آبائهم، حيث قسم منهم غدا بلا آباء نتيجة الحرب، وأخرون بات أبائهم يواجهون عراقيل وصعوبات كثيرة في العمل داخل وخارج المخيم.

ويبرز عمل الأطفال بين اللاجئين في مخيم الزعتري كأحد المسائل الباعثة على القلق. فبالرغم من تسليط الضوء على هذه الظاهرة قبل ذلك، إلا أن الخصوصية والأهمية المنظورة لهذه الموضوع تتبدى من كونها عمالة تتم على مرأى من منظمات ذات صلة بحقوق الطفل وأخرى بحقوق الإنسان ككل في المخيم، كما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين “UNHCR”، ومنظمة الطفولة العالمية “UNICEF”، ومنظمة إنقاذ الطفولة “Save the children” وغيرها.

مصادر من داخل المخيم تفيد لـ”زيتون ” بتزايد أعداد الأطفال السوريين اللاجئين في سوق العمالة، والأثر السلبي الكبير لهذه الظاهرة عليهم تعليمياً وصحياً واجتماعياً.

محمد م. وهو مدرس يعمل في مخيم الزعتري، يحذر من ظاهرة عمالة الأطفال التي يقول إنها باتت مستشرية في صفوف الأطفال اللاجئين في المخيم، ويقول: “معروف للجميع ما هو الكم الهائل من الانتهاكات الخطيرة التي قد يتعرض لها الطفل في مثل الأعمال التي يقوم بها الأطفال في الزعتري، فإلى جانب الإيذاء الجسدي والنفسي غالباً ما يتعرض الطفل أيضاً للاعتداء أو التحرّش، فضلاً عن تركهم مقاعد الدراسة ونحن الأن نسجل عشرات حالات التسرب.. هذه معضلة حقيقة!!”.

“خالد” عمره 7 أعوام، طفل سوري لاجئ يجوب كل يوم من فترة الصباح وحتى حلول الظلام بائعاً للحلوى شوارع مخيم الزعترى، يقول إنه يحاول أن يحصّل ما قيمته أربع دولارات على أقصى حد وأحياناً أقل من ذلك بكثير، تساعده على العيش بكرامة مع أمه وإخوته الصغار بعد أن فقدوا والدهم جراء قصف النظام السوري أحد مناطق حمص، وسط البلاد.

أيضاً، على الباب الرئيسي لمخيم الزعتري يرصد الزائر العشرات من الأطفال السوريين اللاجئين داخل المخيم والذين هم جميعاً في سن الدراسة خارج الأماكن المخصصة لتعليمهم وتنمية مهاراتهم، يجرّ كل منهم عربة لنقل الأمتعة في أجواء غبارية وطقس بارد جداً شتاء وحار جداً صيفاً، والأخطر من ذلك كله أنهم كانوا يتجولون خارج الحدود الجغرافية للمخيم على الشارع الرئيسي ضمن بلدة “الزعتري” الأردنية.

سامي، طفل من القنيطرة يبلغ من العمر 12 عام، يعمل في تجارة خطوط الرصيد للجوالات (التعبئة)، يقول: “أنا أعمل لأنني يجب أن أتي بالنقود لأهلي، نحن ليس عندنا مورد آخر. عائلتي مكونة من 9 أفراد . أختي أيضاً وأبنائها تسكن معنا بذات (القرفانة).. زوجها مات.. أنا المسؤول الآن عنهم جميعاً..”.

وأنت تقترب من أحد محال الزعتري في وسط ما يعرف بين اللاجئين بشارع “الشانزيليزيه” من باب السخرية، وهو الشارع الرئيسي في المخيم، تسمع صوت إطلاق نار شديد ..! ويتضح أنه “الأتاري”. الأطفال السوريين الذين هربوا من إطلاق النار، الكثير منهم يلعبون ألعاب إطلاق النار في العديد من المحلات المنتشرة في أرجاء المخيم.

داخل إحدى المحال المخصصة لألعاب إطلاق النار، وفي وقت مخصص للدوام المدرسي تجد عشرات الأطفال السوريين خارج المدارس..!!

يضيف محمد م. المدرس في مخيم الزعتري “يترك العمل القاسي على الأطفال هنا في المخيم أثار سلبية للغاية، منها أمراض القلب والصدر وكذلك الأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي والعصبي والتنفسي وأمراض الغدد ونقص التغذية وفقر الدم، إلى جانب المصاعب النفسية والتي يسببها الطقس الصحراوي المعروف هنا، حيث يستمرون بالعمل لساعات طويلة في أعمال قسم منها خطرة على صحتهم”.

وفي سؤال لـ”حسين”، الطفل السوري ابن الـ11 عام، العامل في تجارة البحص في الزعتري حول تركه كطفل مقاعد الدراسة للعمل مبكراً أجاب: “أنا لست طفلاً.. أنا (كبير)، ليس المهم مستقبلي في المدرسة، بل الأهم منه هو أن نأكل ولا نمد أيدينا للناس.. أختي أكبر مني سناً وأمي هنا أيضاً لكنني لا أرضى أن تعمل أمي أو أختي بوجودي.. أنا الرجل في الأسرة الآن..!! “.

وأخيراً يجدر التذكير، بأن ظاهرة عمالة الأطفال تعد من أهم الظواهر السلبية بل وحتى الخطيرة التي أخذت طريقها الى مجتمع اللجوء السوري في مخيم الزعتري، وهي من هنا مشكلة تضاف الى مشاكل الأطفال السوريين التي تحتاج الى حل حاسم وسريع من قبل المنظمات الدولية المعنية.